كيف تشرح عبادة الصيام لشخص لم يسمع عنها من قبل؟

كيف تشرح عبادة الصيام لشخص لم يسمع عنها من قبل؟
"ألا تستطيع حتى شرب الماء؟" .. سألني صديق أمريكي وعلى وجهه تعبيرات المفاجأة. أجبت بابتسامة عريضة "لا أستطيع".
جاءني سؤال من صديق أخر كان معنا في نفس الجلسة "هل يمكنك العمل خلال الصيام؟" فأجبت مباشرة "نعم أستطيع، بل أنا معتاد على ذلك منذ زمن طويل" .. كانت هذه الأسئلة تتردد على مسامعي في اليوم الأول من رمضان فيما كانت أسوأ مخاوفي تتحقق.
 
كانت هي المرة الأولى التي أصوم فيها خارج بلادي وخارج العالم الإسلامي كله، كانت في ولاية ميسوري الأمريكية إحدى الولايات الواقعة في غرب وسط الولايات المتحدة.
 
أسوأ مخاوفي لم تكن الصيام لعدد ساعات أطول نسبيا من ساعات الصيام في البلاد الإسلامية ولكنها تمثلت في كيفية شرح عبادة الصوم في حد ذاتها للآخرين خصوصا ممن لم يسمعوا عنها من قبل، وكيف سيتخيلونها خصوصا مع وجود صورة مسبقة لديهم عن الإسلام، هي في الغالب ليست مثالية منذ عام 2001 الذي شهد تفجيرات سبتمبر الشهيرة.
 
على سبيل المثال لن أستطيع تقبل دعوات الغذاء التي أتلقاها من زملائي ورؤسائي ولن أستطيع تناول القهوة معهم في مقر الجريدة التي أعمل بها خلال أوقات العمل وهي أفضل طريقة للتعارف على زملاء جدد.
 
وعندما سأعتذر عن الانضمام إليهم سأضطر لأسمع إجابة مقتضبة هي "خلال هذا الشهر المسلمون يمتنعون عن الأكل والشرب من شروق الشمس حتى غروبها" .. كانت هذه هي الجملة التي فسر بها أحد زملائي عدم تناولي الطعام متصورا أنه يقدم لي خدمة جليلة.
 
كانت هذه الإجابة هي ما أخاف منه.
 
سبب الخوف إنها تلخص عبادة الصيام في مجرد الامتناع عن الأكل والشرب ولكنها لا تفسر ولا تشرح للآخرين الهدف من العبادة، وفي الوقت نفسه أخذت أفكر وأسأل نفسي "ماذا لو لم أكن مسلما" .. "كيف سيكون انطباعي حينما أسمع عن الصيام للمرة الأولى؟" .. بالتأكيد سيبدو غريبا للغاية إذا لم أستمع إلى تفسير مقنع.
 
الأمر يشبه ما يشعر به المسلم حينما يسمع عن عبادة معينة يمارسها مسيحي أو يهودي أو حتى بوذي أو هندوسي .. العبادات جميعها تبدو غريبة إذا استمعنا إليها من دون أن نفهم التفسير أو الحكمة من ورائها.
 
الطريف في الأمر أنه رغم إبداء رغبتي الانضمام لزملائي في الغذاء للحديث معهم بدون الأكل كانوا يرفضون ذلك حرصا على مشاعري في الوقت الذي حاولت فيه مرار أن أفسر لهم أن رؤيتي للطعام لن تعذبني كما يتصورون، فكل الأمهات يقضين نصف أوقات الصيام لتحضير الطعام دون أن يؤثر ذلك عليهن.
 
في البداية عندما يلتقي المسلم بمجموعة غير مسلمة في إطار اجتماعي مثل العمل أو الصداقة أو الجيرة فهو يعلن صراحة أنه لا يتناول الخمر أو لحم الخنزير وهي قاعدة معروفة بل وتشبه عقائد بعض الأديان الأخرى، ولكن عندما يأتي رمضان فالأمر يزداد بإضافة الامتناع عن الطعام والشراب، ترى كيف يفكر الآخرون فينا؟
 
المشكلة الأضافية التي تطفو على السطح هو أن استخدام الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة لن يجدي لأن إذا لم يكن المتلقي مؤمنا بها فكيف يمكن استخدامها كمرجعية في الشرح.

التفسير القاصر للصيام غريب للغاية على أذن المستمع لأنه ببساطة لا يفسر للآخر أن المسلم يمتنع عن كل السلوكيات السلبية خلال ساعات الصيام كنوع من ضبط النفس والتمرين على السيطرة على ذاته وعلى شهواته جميعها ليصبح مدربا بعد رمضان، ولا يفسر كونها تشعرك بالحرمان الذي يشعر به الآخرون بسبب الفقر أو المرض.
 
هذه التفسيرات الأخيرة تترك انطباعا إيجابيا للغاية في أذن المستمع الغربي أو الأسيوي فهي ببساطة قيم إنسانية تجمع البشر كلهم.
 
ببساطة وجدت أن الحل هو أن أشرح لكل من يسألني فكرة الصيام وهدفه كعبادة وذلك في أقل من دقيقتين حتى لا يصاب المستمع بالملل، كما استخدمت أمثلة من بعض التدريبات الروحية المنتشرة في الغرب والتي تساعد على التركيز وعلى تقوية الإرادة مثل اليوجا والتمارين المتفرعة منها والتي تنتشر في الغرب كعلاج للجسد والروح وليس كعبادة.
 
كانت تجربتي مفيدة للغاية، جعلتني أتفهم معاناة المهاجرين المسلمين في أوروبا وأمريكا، كما جعلتني أفكر مرتين كلما استمعت إلى عبادة يمارسها شخص غير مسلم  فربما لديه تفسير أوضح لها ولا يسعفه الوقت للشرح.
 

. . 216