"الترويكا" التونسية وتربص "فلول" ابن علي

تقارير . Moderator Eslam منذ 5 سنوات و 11 شهور 74 0

"الترويكا" التونسية وتربص "فلول" ابن علي

لم تعرف تونس الاستقرار كثيرًا منذ الإطاحة بحكم ابن علي بعد ثورة شكلت أولى المحطات في الربيع العربي؛ فرغم التقدير العالمي لتدشين الشراكة (الإسلامية-الليبرالية) المؤلفة من أحزاب "النهضة" بزعامة راشد الغنوشي، و"التجمع من أجل الجمهورية" بقيادة الرئيس التونسي الدكتور المنصف المرزوقي، و"التكتل"، إلا أن هذا التحالف بقي غير منسجم، حيث تندلع الخلافات بين أعضائه؛ لدرجة أن الرئيس المرزوقي هدَّد في غير مناسبة بالاستقالة من منصبه احتجاجًا على هيمنة حزب النهضة على مفاصل الحياة السياسية تارةً، ورفضًا لهيمنة الأخير على المناصب السيادية في حكومة الجبالي، ووضعه العقبات أمام حكومة كفاءات بشكلٍ عمَّق الأزمة السياسية التي تضرب أول دول الربيع العربي، وتهدد بانفصام عُرى ائتلافٍ كان ينتظر العالم منه الكثير، لاسيما أنه ضم أحزابًا يسارية ويمينية تبدو معتدلة بشكل بدَّد من قلق غربي على هيمنة الإسلاميين على المشهد في مرحلة ما بعد ابن علي.

تغييرات "دراماتيكية"

ولكن يبدو أن التفاؤل بقدرة هذا الائتلاف على قيادة البلاد لن تستمر طويلاً؛ إذ لوح الرئيس المنصف المرزوقي في خطاب وجهه لمنتسبي حزبه -بل وفي المحيط الإقليمي والدولي- بالاستقالة من منصبه في حالة عدم توصل الائتلاف الحاكم لتوافق بشأن التعديل الوزاري الذي طال انتظاره في الشارع التونسي، وهو تلويح ألقى الضوء على مساعي شركاء النهضة لإحداث تغييرات "دراماتيكية" في بنية حكومة حمادي الجبالي تشمل الإطاحة بوزير الخارجية "رفيق بن عبد السلام"، ووزير العدل "نور الدين البحيري"، وهما عضوان بارزان في حزب النهضة، بل مقربان من زعيمها راشد الغنوشي.

بل إن شريكي الائتلاف –"التجمع" و"التكتل"- رفعا من سقف طموحاتهما بوضع شروط معقدة للاستمرار في الحكومة، منها: إبعاد كل المسئولين في دواوين الوزارات المرتبطين بنظام ابن علي، فضلاً عن استحداث لجنة في رئاسة الحكومة تجمع الأحزاب الثلاثة تُعيد النظر في كل التعيينات السابقة واللاحقة في مؤسسات الدولة، وهما شرطان معقدان لاسيما أنه سيرتب على الأول إفراغ هياكل الدولة من الموظفين والإداريين بشكل قد يفضي لفوضى شاملة وعجز عن تصريف شئون الدولة، وهو ما اعتبر شرطًا تعجيزيًّا من جانب "التكتل" يهدف لإحراج النهضة من جانب، وصولاً لفض ارتباطه به والاستعداد للانتخابات البرلمانية.

وتر الابتزاز

ولا تتوقف الصعوبات التي تواجه الائتلاف الحاكم عند هذا الحد، لاسيما أن قطاعًا واسعًا داخل "النهضة" لا يحبذ الاستجابة لمطالب "التجمع" و"التكتل" باعتبار أن الشريكين في الائتلاف يعزفان على وتر "الابتزاز" في التعامل مع الحزب، ويسعيان لانتزاع أكبر قدر من التنازلات منه، ولا يبديان حرصًا على مصلحة الائتلاف بقدر حرصهما على مصالحهما الانتخابية؛ فهما لن يقبلا بحل وسط فيما يخص التعديل الحكومي أو المناصب السيادية، بل يسعيان للخروج من الائتلاف والانضمام لصفوف المعارضة، لاسيما أن مجمل استطلاعات الرأي في تونس تشير إلى ارتفاع أسهم أحزاب المعارضة وفي مقدمتها حزب "نداء تونس" بزعامة "الباجي قايد السبسي" آخر رئيس وزراء لتونس قبل الانتخابات، وهو حزب يضم "التجمعيين" من "فلول" نظام ابن علي، وغيرهم من معارضي المشروع الإسلامي.

معطيات جديدة

ومما فاقم الأزمة أن الجناح المتشدد داخل النهضة أصبح ينظر لإقالة "عبد السلام" و"البحيري" من وزارتي الخارجية والعدل باعتبارها مظهر ضعف سيؤثر بالسلب على وضع النهضة في الشارع السياسي؛ حيث يفضله التيار المناهض للوزير الأول "حمادي الجبالي"، ويفضل تشكيل حكومة جديدة يهيمن عليها الحزب بشكل يمكنه من تحقيق إنجازات يستطيع معها الحزب استعادة أرضيته وشعبيته في الشارع، وترجمة ذلك في حصته من المقاعد البرلمانية، والتمكن من قيادة البلاد بشكل قوي، وهو توجه أثار غضب "الجبالي" الذي يخوض معركة قوية لإقناع هذا الجناح المتشدد داخل النهضة بالتخفيف من حدة مواقفه، باعتبار أن التوافق الوطني سيصب في صالح تحسين صورة النهضة كحزب يقبل الآخر، ويضع مصلحة البلاد في المقام الأول.

ويتجاهل الجناح المتشدد داخل النهضة كذلك معطيات شديدة الخطورة؛ فالحزب ذو الجذور الإخوانية لا يملك أغلبية داخل الجمعية التأسيسية تمكنه من حكم البلاد بشكل مطلق؛ إذ يحتاج لـ 20مقعدًا لتأمينه، وهو أمر شديد الصعوبة؛ فبدون "التجمع" و"التكتل" لا يبدو النهضة قادرًا على الحصول على هذه الأغلبية في ظل عدم وجود رغبة لدى الأحزاب ذات الخلفية المدنية في التحالف معه بشكل قد يقود لسقوط الحكومة، ويقود الحزب للمجهول، لاسيما أن قوى المعارضة تمتلك فرصة لتشكيل ائتلاف موسع يضم كل الأحزاب المناهضة لها، في ظل حالة التربص من جانب فلول ابن علي بحكومة النهضة وسعيها لإسقاطها بكل الوسائل.

انتخابات مبكرة

لذا فإن جميع المؤشرات تؤكد اقتراب البلاد من غمار أزمة سياسية غير مسبوقة، سواء وافق مجلس شورى النهضة على مطالب شريكيه في الائتلاف، أو فرض التيار المتشدد وجهة نظره بشكل يهدد بدخول البلاد نفقًا مظلمًا، يزيده عمقًا الأزمة الاقتصادية القوية التي تلف خاصرتها، فضلاً عن الفوضى الأمنية الشديدة التي ظهرت جلية في اغتيال المعارض التونسي البارز "شكري بالعيد" بشكل يصب في غير صالح النهضة، والذي سيجد صعوبة في التحالف مع التيار السلفي بشكل يصعب معه تسويق أية حكومة قادمة قريبًا، لاسيما أن غياب أطراف "ليبرالية" و"يسارية" قد يفتح الباب أمام تفاقم المخاوف من مد إسلامي متشدد.

عصًا في الدواليب

وفي ظل هذه الأجواء لا يبدو أن تشكيل حكومة تونسية موسعة يحظى بالتوافق؛ فحزب النهضة -رغم تَكراره رغبته في توسيع الائتلاف- يضع العصا في الدواليب، عبر التمسك بالحقائب السيادية، وهو موقف لا يجد قبولاً بين شركائه في الائتلاف، خصوصًا أن الرئيس المرزوقي قد حاول توصيل رسالة دعم للجبالي بأن استقالته مرتبطة بعدم استجابة النهضة لتوجه الوزير الأول الساعي للتوافق وقبول التنازل عن بعض وزراء السيادة مقابل استمرار الائتلاف ومنحه فرصة للعبور بسفينة البلاد من هذا المخاض العسير، ولكن هذا التوجه يقابل بمواقف متشددة من أطراف العملية السياسية، وتمسكهم بشروط يراها البعض تعجيزية قد لا يوفر آفاقًا لحل الأزمة السياسية، بل يفتح الباب أمام خيارات عديدة منها: تحويل الحكومة لتسيير الأعمال، أو الدعوة لانتخابات مبكرة قد تضع حدًّا لحالة الغموض السائدة في الساحة السياسية.

انتخابات مبكرة

وتفرض هذه الأجواء على شركاء "الترويكا" خيارًا واحدًا، يتمثل في الدعوة لانتخابات مبكرة تنهي الصراع السياسي، وقد لا يصب ذلك في صالح حزب النهضة أو شركائه في الائتلاف المعروفين بعدائهم الشديد لحكم ابن علي وفلوله، في ظل حالة التربص الشديد بهذا الائتلاف من جانب حزب "نداء تونس" بزعامة "الباجي قايد السبسي" المتصدر لاستطلاعات الرأي الشعبية، حيث يستغل هذا الحزب حالة السخط الشعبي من الأزمة الاقتصادية والتردي الأمني، بل واغتيال المعارض "بلعيد" لتكريس نوع من "الفوبيا" من الثورة التونسية ورموزها، وهو تربص يدركه أعضاء "الترويكا" الحاكمة، ويدركون أيضًا أن إجراء انتخابات مبكرة قد يعيد تشكيل الخريطة السياسية مجددًا لصالح "التجمعيين"، وهو خيار قد يدفع الشركاء للالتقاء على حل وسط، وإيجاد تسوية عاجلة لهذه الأزمة ،بدلاً من ترك الساحة التونسية مشرعة على "سيناريوهات" ليست جيدة في كل الأحوال لرموز الثورة التونسية.

 
التعليقات (0)

كن أول من يعلق على هذا الموضوع.

بإمكانك الدخول بواسطة أسم المستخدم أو بريدك الألكتروني

- أو -