الأمن الوطني المصري يعود لثقافته القديمة

تقارير . Moderator Eslam منذ 6 سنوات و 2 شهور 78 0
الأمن الوطني المصري يعود لثقافته القديمة

الأمن الوطني المصري يعود لثقافته القديمة
                                                                   صورة أرشيفية
 
لم يكن مفاجئًا أن تعلن وزارة الداخلية المصرية عمَّا سُمِّي "خلية مدينة نصر" والمتهم فيها ثمانية أعضاء منهم ضابط سابق في الجيش المصري، ولم يكن من قبيل المفاجأة ما  أعلنته وزارة الداخلية من أنَّ المتابعة الأمنية ضبطت عدد 83 أمبول معدة للانفجار داخل سيارة لانوس بطريق مصر الإسماعيلية الصحراوي، وقد تَمَّ تحديد مُسْتَقلِّيها وضبط اثنين من المرتبطين بهم في وقتٍ لاحق.
 

ولم يكن مفاجئًا كذلك ما أكَّدته الوزارة كذلك من أنه تَمَّ ضبط ثلاثة عناصر بأحد المقارّ التنظيمية بالقاهرة الجديدة، أحدهم سبق اتِّهامه في قضية أمن دولة عليا، وآخر من العناصر ذوي الأفكار التكفيرية، وثالث تونسي الجنسية ويعمل مهندسًا ميكانيكيًا.

ولم يكن مفاجئًا أيضًا ما جاء في بيان وزارة الداخلية من أنَّه حال مداهمة قوات الشرطة للمقر قام الأول بإلقاء عبوة تفجيرية تجاه القوات، إلا أنَّها لم تحدث أية إصابات، وبتفتيش المقر المشار إليه عُثر على سديري كامل مجهَّز بالمواد المتفجرة وجاهز للاستخدام، وحزام ناسف، ودائرة تفجير كاملة بمفاتيح تشغيل، وعدد 10 هواتف محمول منها 3 مجهز كمفجر، ومجموعة من المفجرات، وبوادئ التفجير ومواد مفرقعة، وبعض الدوائر الكهربائية، ومجموعة من أدوات تصنيع المواد المفجرة، جهاز حاسب آلي ومبالغ مالية.

وزارة الداخلية ذكرت تفاصيل كثيرة في بيانِها، وذكرت تفاصيل أكثر عن الأسلحة والمتفجرات التي تَمَّ ضبطها، لكن التحقيقات التي باشرتها النيابة بعد ذلك أكَّدت أنَّ المتهمين الثمانية تعرّضوا للتعذيب من قِبَل ضباط جهاز الأمن الوطني لإجبارهم على الاعتراف. وكشفت التحقيقات أيضًا مفاجأة جديدة، وهى أنه أثناء فضّ الأحراز أمام المتهمين كانت خالية تمامًا من القنابل والمتفجرات والأسلحة النارية، وأكَّدت التحقيقات أن المتهمين أثناء القبض عليهم لم يضبط معهم أسلحة نارية وقنابل، عكس ما ادَّعته وزارة الداخلية، وتبيَّن أثناء فضّ الأحراز أنها عبارة عن مبالغ مالية وهواتف محمولة ولاب توب وأجهزة كمبيوتر.

الأكثر نكايةً من ذلك ما أكَّده نجل القيادي السلفي الجهادي المتهم عادل شحتو، من أنه تَمَّ عرض الأحراز التي أخذت من منزل والده عندما تَمَّ اقتحامه، وتمثلت في جهاز كمبيوتر وبعض الكتب والأوراق، بينما لم تتضمن الأحراز مبلغ 50 ألف جنيه تخصّ المتهم.

التفاصيل السابقة تؤكّد أنَّ جهاز الأمن الوطني (مباحث أمن الدولة سابقًا) يتصرف بنفس الطريقة التي كان يتصرف بها في عهد النظام البائد، من توزيع الأكاذيب والاتهامات التي ليس لها أساس، وكتابة محاضر التحقيقات مليئة بما يريده ضباط الجهاز، ثم تعذيب المتهمين تعذيبًا يسهّل إثباته من قبل النيابة والطب الشرعي، ثم سرقة أموال المتهمين أثناء مداهمة منازلهم وعدم كتابة المضبوطات في محاضر التحقيق، وإنَّما ينهبها الضباط نهبًا.

هذه ملاحظات أولية على التحقيقات، وقد اشترك الرأي العام الإسلامي في مصر، على أن القضية مبالغ فيها، قد تكون هناك اتهامات ولكنها أقل من التهم التي ذكرتها وزارة الداخلية، ثم ما أكدته التحقيقات من أن المتفجرات والأسلحة الموجودة في بيان وزارة الداخلية ما هي إلا وهم من خيال ضباط جهاز الأمن الوطني.

لقد وجه جهاز الأمن الوطني للمتهمين تهمًا كثيرة كالعادة، من بينها اعتناق أفكار جهادية وتكفير الحاكم والتخطيط لقتل الرئيس محمد مرسى والاشتراك في اغتيال السفير الأمريكي في ليبيا. وقد حققت النيابة في هذه التهم وطبعًا أنكرها المتهمون ولم يعترفوا بها، ويبقى دور محكمة الجنايات النهائي في القضية.

ولكن نظرةً عامةً على التهم نلاحظ أن الأمن الوطني هو هو لم يتغيَّر عن أساليب عمل وفكر سلفه جهاز مباحث أمن الدولة، فيأتِي بالتهم من قريب ومن بعيد، من ليبيا ومن مصر، حتى يصل إلى مخطط لقتل الرئيس محمد مرسي، على أمل تخويف الرئيس الإسلامي الجديد وجعله يثق في الجهاز الجديد ويدعمه حتى يحافظ على حياته.

من غرائب القضية أنَّهم وجهوا للمتهم عادل شحتو نفس التهم في قضيتين مختلفتين وتَمَّ القبض عليه قبل حدوث أي شيء في مدينة نصر، ومع ذلك أقحم اسمه في القضية.

الأهم من الاتهامات الموجهة إلى هذه الخلية هو التوقف أمام ظاهرة انتشار فكر التكفير وازدياد وجود التنظيمات السلفية التي تعتنق الفكر الجهادي وتقوم بتنفيذ عمليات القتل والتفجير ضد عناصر الأمن والجيش المصري في سيناء.

لقد كان من المتصور أنه بعد ثورة 25 يناير سوف يختفي هذا الفكر للأبد، بعد أن اختفت أسبابه ومبرراته، فقد اختفَى الحاكم الفرعون المستبد الظالم، واختفت معه دولة الحكم بالطوارئ وجهاز مباحث أمن الدولة، واختفت مفردات الدولة البوليسية، فالدولة البوليسية التي لم تكن تسمح بتكوين الأحزاب والتنظيمات الاجتماعية وخوض الانتخابات قد انتهت وتحللّت، وأصبح الإسلاميون الآن هم نجوم المشهد السياسي، من خلال الأحزاب والتنظيمات الاجتماعية والجمعيات الأهلية، وأصبحوا قادرين على توصيل أصواتهم للمسئولين بل أصبحوا مؤثرين في صناعة القرار السياسي، فلماذا إذًا اعتناق أفكار التكفير، ولماذا تكفير الرئيس الإسلامي، ولماذا حمل السلاح على الجيش المصري وعلى الأمن المصري اللذين يحرسان سيناء؟

لقد ظنَّ الكثيرون أن ثورات الربيع العربي كتبت بداية النهاية للتيارات الجهادية والتكفيرية في المنطقة وأنها في طريقها إلى الزوال والاختفاء حيث استطاعت هذه الثورات السلمية أن تحقق في وقت وجيز ما فشلت فيه التيارات الجهادية من تغيير على مدار ثلاثين عامًا، لكن بعد فترة  قصيرة  ثبت أنَّ هذا الاعتقاد ليس صحيحًا، بل العكس هو الصحيح, حيث تبيَّن أن هذه الثورات كانت بداية لموجة جديدة من التيارات الجهادية والتكفيرية, ولكنها موجة أشد ضراوة من الموجات السابقة, حيث كان نشاط هذه التيارات في حالة من الانحسار والكُمُون والتراجع بسبب الضغط الأمني.

إن التنظيمات التكفيرية مولعة بفكرة إيجاد مجتمع بديل، وهذه الفكرة فيها نوع من الرومانسية، وهذا ما وضح في أفغانستان والصومال والعراق، ويتضح الآن في سيناء، حيث تنتشر الجماعات ذات الفكر المتشدد، وعلي رأسها "جماعة التكفير والهجرة" و"منظمة الرايات السوداء" و"منظمة السلفية الجهادية" و"منظمة أنصار الجهاد" و"منظمة مجلس شوري المجاهدين" و"جماعة التوحيد والجهاد".

إن تنظيم  القاعدة هو النقلة العملية لقطاع من الفكر السلفي الذي كان محبوسًا خلال الفترات السابقة، والذي في الوقت ذاته يرفض العمل السياسي و يراه كفرًا، بل يرَى أن الرئيس نفسه كافر على الرغم من كونه ينتمي إلي تيار إسلامي، لأنه يراه لا يطبق الشريعة الإسلامية.

إن تنظيم القاعدة الآن أصبح أفكارًا منتشرة يحملها أشخاص منتشرون في بقاع الأرض، وهؤلاء لا يمكن أن نقضي عليهم تمامًا وإنما نحاول التعامل معهم ونتعايش معهم، لكن في الوقت ذاته نمنع هذا الفكر من التمدُّد والانتشار أكثر من ذلك. ولا يمكن لمثل هذه التيارات أن تمتد و تنتشر إلا إذا وجدت البيئة الحاضنة لها مثلمَا يحدث الآن في سوريا وسيناء، نظرًا لقرب الأخيرة من إسرائيل، فمصر لم تكن تعرف أي عناصر للقاعدة قبل 25 يناير والآن أصبحت البيئة مُهَيَّأة لها للوجود وبقوة.

إن منهج التعامل مع منطقة جبل الحلال يجب أن يبتعد عن لغة الإرهابيين والجهاديين، وإنما يتم تسمية هؤلاء  بالمجموعات أو العناصر الخارجة عن القانون، وأن يتم التعامل مع هذه العناصر وفقًا للضوابط القانونية المقررة  والتأكيد علي أبناء سيناء بألا يوجهوا أسلحتهم تجاه أبناء وطنهم.

إننا قلقون حيال الوضع الأمني في سيناء، فأجهزة المخابرات الإسرائيلية تسعى لتخريبها، وأصابع الموساد في سيناء واضحة وتسعى لتجنيد عناصر لها من أجل التخريب وليس التخابر، والخوف يأتي من عدم قدرة الأجهزة الأمنية المصرية من الدخول لمناطق معينة بسيناء مثل جبل الحلال.

والحمد لله أنَّ أهل سيناء يواجهون العناصر المتشددة، فجميع شيوخ الجماعات الإسلامية استجابوا لمبادرة نبذ العنف، كما أنَّ شيوخ القبائل يرفضون أن تتحول سيناء إلى دولة خارجة عن الدولة المصرية.

 
التعليقات (0)

كن أول من يعلق على هذا الموضوع.

بإمكانك الدخول بواسطة أسم المستخدم أو بريدك الألكتروني

- أو -