منهج التحول إلى الإسلام 3

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

 
 

الأهمية الأساسية للدولة الإسلامية
بانتقالنا إلى سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أجد من الضروري أن أبرر العبارة التي طرحتها الآن حول هدف النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنسبة لتكوين الدولة الإسلامية.
إن هدف النبي باعتباره رسولاً لله كان يتمثل في نقل رسالة الله إلى عباده، وتلك حقيقة، ولكن من الحقيقي أيضًا أن المحاولة لتكوين مثل تلك الدولة الإسلامية تعد جزءًا مهما من تلك الرسالة. ولقد قيل: إنه إذا كان أحد أهداف النبي - صلى الله عليه وسلم - يتمثل في تكوين مثل تلك الدولة لَمَا رفض العرض الذي جاءه من مكة لتولي منصب الرئاسة، ومعلوم أن النبي - عليه السلام - قد رفض ذلك العرض، ولكن السبب في ذلك هو أن قبوله لم يكن: "نجعله رئيسًا لدولة إسلامية"؛ بل كان سيصبح رئيسًا لقوم لم يؤمنوا حتى برسالته، ولكنهم عرضوا عليه ذلك المركز كرشوة لحثه على التوقف عن نشرها، والشخص الذي يقبل مثل ذلك العرض لا يكون نبيا حقيقيا، بل يكون إنسانًا تتملكه الرغبة في السلطة، ويكون الادعاء في النبوة بالنسبة له ليس بأكثر من وسيلة لتحقيق تلك الرغبة.

إن حقيقة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان تَوَّاقًا إلى تكوين دولة إسلامية تَظهَر بوضوح حين ندرك أنه إلى جانب محاولته إقناعَ الناس باعتناق الإيمان الجديد، فإنه كان يبذل أقصى جهده ليظفر بتأييد جماعة منظَّمة ومستقلة تكون بمثابة معقل لذلك الإيمان. ولتحقيق تلك الغاية فإنه اعتاد أن يتصل برؤساء القبائل المختلفة، وخاصةً في وقت عَقْدِ الأسواق السنوية في مكة، ويطلب منهم أن يَقبلوه كنبيٍّ وأن يكونوا حماة الإيمان الجديد، وأخيرًا فإن قبيلتين من المدِينة، وهما الأوس والخزرج فعلتا ذلك ومكنتا من قيام أول دولة مسلمة نشأت في أراضيهم.
ولنفترض الآن أن عددًا من المسلمين قرروا العمل لتحقيق تلك الغاية. فبأي وجه يستطيعون أن يَفِيدوا من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - في المرحلة المكية؟

موقفان متطرفان:
اعتنق عدد كبير من الناس موقفين متطرفين: الأول: هو أنه نظرًا لأن رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اكتملت أخيرًا في شكل القرآن ومجموعة الأحاديث الموثوق بها، التي تحت تصرفنا الآن؛ فإن المراحل الأولى التي مرت بها تلك الرسالة لا تتلائم الآن مع نوع النظام الذي يجب أن نَتَّبعه في نشرها أو ممارستها، ولكن ديننا كامل ويجب أن تتم ممارسته في مجموعه، وليس من الممكن إيقافُ أو إرجاء تطبيق جزء منه لأي سبب من الأسباب.

أما الموقف الآخر: فهو أن الناس الآن قد ارتدوا إلى نوع من الجاهلية المكية التي كانت سائدة في وقت رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ ولذلك فإنه يجب علينا أن نبتدئ من النقطة التي ابتدأ منها النبي، ونمر بجميع المراحل التي مر بها، حتى نستطيع في نهاية الأمر تكوينَ دولتنا الإسلامية.
وكلٌّ من هذين الموقفين ليس من الممكن الدفاعُ عنه؛ أما الأول فلأنه يتجاهل الحقيقة المهمة التي ذكرناها سابقًا، وهي أن الإسلام يعد بمثابة رسالة ونظام، وأن الأسلوب الذي بمقتضاه يتم نقل الرسالة وممارستها يعد جزءًا لا يتجزأ عن الرسالة ذاتها، ومن ثم ليس من الممكن تجاهله. وإذا قبلنا ذلك الأمر، فإننا نستطيع دائمًا أن نسترشد بالأساليب التي اتبعها النبي - صلى الله عليه وسلم - في أي فترة من حياته.

وكذلك الموقف الثاني؛ لا يمكن الدفاع عنه؛ لأنه من المستحيل أن ننقُل موقفًا تاريخيًا كاملاً من إحدى الفترات الزمنية، ونفرضَه على الفترة الزمنية التالية. وذلك هو ما يطالب به الموقف الثاني تمامًا.
ويمكننا رؤية نتائج مثل تلك المحاولة في المثل الحي لبعض الشباب الذين أعرفهم، والذين حاولوا اتباع ذلك الأسلوب؛ نتيجةً لفهمهم الموضوعي للكاتب المسلم العظيم الشهيد سيد قطب، وهم قد ابتدؤوا بتكوين جماعة وانتخاب قائد، وقد كان من المفترض أن تكون تلك الجماعة متماثلة مع جماعة المسلمين الأوائل، ولكنهم تجاهلوا حقيقة أن هؤلاء الذين تجمعوا حول النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كانوا هم المسلمين وحدهم على وجه الأرض، وحتى يضاهوا تمامًا بين تلك الجماعة وجماعة النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنهم أطلقوا عليها اسم جماعة المسلمين، وتلك عبارة توحي أنهم هم المسلمون الوحيدون، وهم قد اعتقدوا بالفعل أن من لا ينتمي إلى جماعتهم لا يكون مسلمًا، أو كما يقول المعتدلون منهم يكون مجهول الحال، أي مشكوكًا في أمره، وعندما سألتُ بعضهم ذات يوم: بأي حق ينكرون الإسلام على شخص ينطق بالشهادة، ويقيم الصلاة ويعرف باستقامته الأخلاقية؟ وكان الجواب"ولكن من أجل أن تكون مسلمًا يجب أن تنتمي إلى المجتمع الإسلامي، وهؤلاء الناس يعيشون في مجتمع الجاهلية!"
قلتُ: "إذا كنتم تَعنُون بالمجتمع الإسلامي مجتمعًا مثل مجتمعكم، حينئذ فإنه يوجد الكثير من المجتمعات الإسلامية الأخرى" فقالوا: "إنها ليست بإسلامية لأنها تقبل هؤلاء الذين يعيشون في مجتمع الجاهلية كمسلمين وإن أي شخص يَعتبر مِثلَ هؤلاء الناس مسلمين يكون هو نفسه ليس بمسلم!!"
وهم اعتقدوا أنهم نظرًا لكونهم في المرحلة المكية؛ فإنهم يجب عليهم أن يَحْذُوا حذو النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يدعوا الناس فقط إلى مبادئ العقيدة، ولا يتحدثوا إطلاقًا عن أشياء مثل الاقتصاد، والأمور السياسية، والعدالة الاجتماعية، إلخ... وقد ظهر سؤال حول ما إذا كانوا هم أنفسهم يجب أن يمارسوا ذلك الجزء من الشريعة الذي أوحي في المدينة؟! وانقسمت الآراء حول تلك المسألة إلى قسمين، وعلى الأقل كان واحد من القسمين يعتبر الآخر غير مسلم!!
والمجموعة التي اعتقدت أنهم لا يجب أن يمارسوا ذلك الجزء من الشريعة الخاص بالمدينة قد وصلت في تطرفها إلى حد إهمال دراسة الآيات القرآنية المدَنِيَّة!
أما ذلك الجزء من المجموعة الذي اعتقد بوجوب ممارسة الشريعة في مجموعها ذهب إلى مدى جَلْد أحد الأعضاء الذي اعترف بأنه ارتكب الزنا.
إنني أعتقد أن المثل الذي ضربه هؤلاء الشباب المتحمسون والمخلصون في كثير من النواحي يشكل إنذارًا ملائمًا ضد ذلك النوع من التطرف.

التماثل والاختلاف
الموقف الصحيح - كما أعتقد - هو أن الإنسان يجب أن يبحث عن التماثل ولكنه يجب أيضًا أن يُقر بالاختلافات بين أي جماعة مسلمة معاصرة في بلدة معينة وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في كل من فترتي مكة والمدينة. وعندما تجد مثلُ تلك الجماعة نفسَها في موقف يتماثل مع موقف المسلمين الأوائل فإنها يجب أن تقتدي بسلوك النبي في ذلك الموقف. ونستطيع أن نصور تلك النقطة بقليل من الأمثلة:

1- إن القوم الذين قَبِلوا الإسلام في مكة لم يُتركوا ليعيشوا كأفراد منعزلين، بل كَوَّنوا جماعة منظمة، وإنني أعتقد أن الحكمة من وراء ذلك هي:
أولاً: أن المسلمين - طبقا للقرآن - يُعَدون بمثابة أمة، أي إنهم أخوة، ومن ثَمَّ ليس من الممكن أن يكونوا مسلمين تماما لو أنهم عاشوا متفرقين. إن ذلك قد يبدو موهما بالتناقض، ولكنه صحيح، فإننا عندما نعيش منعزلين لن نحقق كِياننا أو نشعر بالرضاء لأنه يوجد بداخل كل منا فراغٌ ليس من الممكن أن يملأه سوى الأخوة المسلمين الآخرين.

ثانيًا: إنه إذا كان هدفنا النهائي هو تكوين مجتمع خاص بنا، حينئذ فإنه يجب أن يتم تكوين بَذْرة ذلك المجتمع داخل المجتمع الذي نرغب في تغييره. وبتلك الطريقة فقط نستطيع أن نواجه تحديات المجتمع الذي نعارضه، وحينئذ نستطيع أن نشعر بنعمة العيش في مجتمع مسلم ونعطي الآخرين مَثَلا حيا لذلك المجتمع.

والعبرة في ذلك بالنسبة لأي قوم يرغبون في تكوين مجتمع مسلم صحيح يمكنه التطور حتى يصبح دولة مسلمة، هي:
أ- أنهم يجب أن ينظموا أنفسهم في جماعة ويكون لهم قائد. وإن الشيء السليم هو أنه يجب أن تكون هناك جماعة واحدة فقط من المسلمين تعمل في مجتمع معين من الجاهلية أو شبه الجاهلية. وكلما كثر عدد الجماعات التي لدينا، كلما انحرفنا عن الاقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ومن ثم تأخرت عملية التوجه بالمجتمع إلى الوجهة الإسلامية.
ولكنه إذا حدث لسبب أو آخَرَ أن وُجِدَ أكثر من جماعة واحدة فإن أفضل موقف هو أن تتعايش تلك الجماعات بطريقة ودية، وتتعاونَ في العمل على تحقيق الغايات المشتركة، وتُنسقَ جهودها من أجل ذلك.
ويجب أن تتذكر تلك الجماعات أن الرابطة التي تربطها سويا وهي شهادة أن لا إله إلا الله - تعد أكثر أهمية من الخلافات التافهة التي تَبُثُّ الفُرْقة بينها.

ب- ويجب أن يتذكروا أن قائدهم ليس بنبي يجب الإيمان بكل كلمة يتفوه بها واتباعُها، فإنه هو نفسه تابِعٌ للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ولذلك يجب اتباعه فقط بقدر ما يَتَّبِع هو النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، ويجب أن يقوم الأَتْباع المثقفون لمثل ذلك القائد ببذل ما في طاقتهم ليحصلوا على المقياس الذي بمقتضاه يستطيعون تقويم قائدهم، أي القرآن والسنة. إن مثل ذلك القائد لا يصل إلى مرتبة النبيِّ فحسب؛ بل إنه لا يصل حتى إلى مرتبة أمير المؤمنين مثلما كان أبو بكر وعمر، أو أيٍّ من الخلفاء المسلمين. ومن أجل أن يكون الشخص أميرا بتلك الكيفية، فإنه يجب أن يكون بمثابة القائد الفعلي للمسلمين، أي يكون هو الشخصَ الذي يمسك بزمام السلطة الحقيقية ومن ثم يستطيع تطبيق القانون الإسلامي. إن قادتنا يُعتبرون حقيقة كأمراء، ولكنهم أمراء في مفهوم أضيق؛ ولذلك فإنه يكون من الخطأ من ناحيتهم أن يطالبوا بالسلطات التي منحها النبي للقادة، ومن الخطأ من ناحيتنا أن نزودهم بمثل تلك السلطات.

جـ- أنهم يجب أن يبذلوا ما في وسعهم ليحافظوا على الأُخُوة التي تعتبر قوام وَحْدَتِهم، ويتذكروا أن الشيطان سوف يفعل ما في طاقته ليقضي على تلك الوَحْدَةِ بما يطلق عليه القرآن (النزغ)، وأن يكونوا على ثقة من أن النزاع والصراع لن يجلب لهم سوى الفشل والانحلال.

د- طبقا لنفس المَثَل الأعلى؛ فإنه يجب أن يكون هناك أيضًا تعاوُنٌ بين التنظيمات الإسلامية على النطاق العالمي، وبين تلك التنظيمات وأي دولة مسلمة حالية تكون راغبة في تقديم المساعدة والعون. ونأمل أن يأتي الوقت الذي تَعتبر فيه الدولةُ المسلمة أرضَها مقرًا لجميع المسلمين المخلصين وتَفتح أبوابها لهم، وتقبلهم كمواطنين يتمتعون بجميع الحقوق، وتُعجل بعملية التوجه إلى الاتجاه الإسلامي في العالم بأجمعه كجزء من واجبها، وهكذا تقدم لها جميع التأييد المعنوي والمادي والمساندة التي تحتاج إليها.

2- إن النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة، باتباعه إرشادَ القرآن، قد ابتدأ في دعوة الناس إلى المبادئ الرئيسة للإيمان، وإنني أعتقد أنه فعل ذلك لأن الإسلام ليس مجردَ مجموعة من الأوامر والنواهي، إنه نظام يتمشى مع كل من الناحية المنطقية والنفسية. وهكذا فإننا لو لم ندعم الأساس الداخلي لن نستطيع أبدًا أن نقيم أي بنيان خارجي قوي، أي لو لم يتم دعم الإيمان بقوة في قلوب الناس؛ فإنه يكون من غير المجدي أن نطالبهم بفعل ما أمر به الله وتجنُبِ ما نهى عنه. وقد وضح ذلك تمامًا في كلمات عائشة التي قالت - طبقا للبخاري: إنه عندما جاء النبي ابتدأ في إخبار الناس عن الله والآخرة فقط، وبعد أن آمنوا بذلك فإنه ابتدأ في إخبارهم أنهم يجب أن لا يشربوا الخمر أو يرتكبوا الزنا. ولو أنه كان ابتدأ بالأمر الثاني لكانوا قد رفضوا بصلابة أن يلتزموا بأوامره ويكفوا عن تلك الآثام.

القضايا الكبرى
ولكن هنا نقطتان يجب أن نلاحظهما:
أ- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يَقصُر نفسَه على الحديث عن أمور العقيدة فقط، بل أيضًا - مَثَله مَثَل من جاء من قبله من الأنبياء - قد شرح النتائج الأخلاقية والاجتماعية لتلك العقيدة، وأن ذلك الأمر هو الذي يؤثِّر في القلب أكثر من الحديث النظري عن العقيدة، وهو الذي يتسبب - عادة - في جانب معارضة الناس من ذوي المصالح في مجتمعات الجاهلية المتعارضة مع الإسلام، واضطهادِ هؤلاء الناس للأنبياء.

ب- عند دعوة الناس للإيمان الجديد، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتحدث إليهم بأسلوب جازم أو عاطفي بحت، ولكنه لجأ إلى المناقشة المنطقية وإلى البراهين المادية. لقد تحداهم عقليا وأنذرهم بإخلاص، وطلب منهم النظر في التاريخ بتروٍ للاعتبار به، وشرح لهم حقيقة أنه كان يدعوهم إلى الطريقة الوحيدة التي تجلب لهم السعادة المادية والروحية في هذه الحياة والحياة الآخرة.
إن حقيقة أن تلك الطريقة الحكيمة لتعريف الناس بالإسلام لم تقتصر على الفترة المكية قد تم الإلماح إليها في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - حول غربة الإسلام: ((بَدَأَ الإسْلَامُ غَرِيبًا، وسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ)).

إن ذلك الحديث يشرح ويثبت ما ذكرته عن التشابه في المواقف؛ فإنه يخبرنا أنه سوف يأتي وقت عندما ينظر الناس إلى الإسلام بنفس الأسلوب الذي نظر به المكِّيُّون إلى الإسلام عند ظهوره لأول مرة، وإن ابن تيميه بنفاذ بصيرته المعتاد قد استنتج من ذلك الحديث أنه عندما يصبح الإسلام غريبا للمرة الثانية فإنه يجب أن نعتنق نفس الأساليب التي اتُّبعت لنشره عندما بدأ غريبًا في المرة الأولى. ونقصد بذلك أنه يجب أن نركز على القضايا الأساسية الرئيسة، ونستخدم العقل والمناقشات المنطقية لإثبات حقيقة تلك المبادئ، وإثبات زيف المذاهب المضادة.
ولذلك يجب علينا - طبقا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم - أن نبذل ما في وسعنا لأن نشرح النتائج الأخلاقية والاجتماعية لتلك الحقائق الأساسية، وأن نطبق النقد الشامل على مجتمعنا، ونقدم بديلا مقنعا.

وعند عَمَلِنا ذلك، فإنه سوف يكون من غير العملي ومما يشكل جمودا غير ضروري أن نقصر أنفسنا على تعليمات الإسلام المكية، إنه يكون من غير العملي؛ لأن الأمر يختلف عن حالة المكيين الأوائل، فإن الكثير من الناس الآن - بما فيهم غير المسلمين - يعرفون تفاصيل الإسلام التي أوحيت في المدينة. ولذلك لا نستطيع أن نعاملهم كما لو كانوا جهلاء بالسُّور المدَنِيَّة، ولا نستطيع أن نرفض الإجابة على بعض الأسئلة التي يطرحها مثل هؤلاء الناس بدون أن نضعف من موقفنا. إن مثل ذلك الجمود يعد ضارًا لأنه يحرمنا من مَيْزَةٍ وضعها الله تحت تصرفنا. إن كُلاً من الرسل الذين جاؤوا قبل محمد - إلى جانب دعوتهم الناس إلى الحقيقة الأساسية للدين - فإنهم كانوا يُعْنَوْنَ بالمشكلة الاجتماعية المعينة للناس المعينين الذين أُرسلوا إليهم. وهكذا فإن موسى قد اهتم بتحرير قومه من الحكم المستبد لفرعون واستئصال الظلم الاقتصادي، وكان لوطٌ يوجه اهتمامه للقضاء على الفساد الاجتماعي، ولكن الإسلام يَعنى به أن يكون لجميع الناس وجميع الأجيال القادمة، ومن ثَمَّ فإنه يعالج جميع المشاكل الإنسانية الرئيسة.

والآن نظرًا لوجود ذلك الكنز تحت تصرفنا، ونظرًا لأن الناس في وقت ما ومكان ما قد يشعرون بإلحاح بأيٍّ من تلك المشاكل؛ فإننا نستطيع أن نكتسبهم إلى الطريق المستقيم بأن نقدم لهم حل المشكلة التي تقلق راحتهم. وإنني لا أجد أي سبب لعدم استغلالنا لتلك الميزة. وحتى نفعل ذلك بطريقة فعالة ونقدم الإسلام لأي مجتمع بطريقة مقنعة، فإنه يجب أن نحترس بالنسبة للمبادئ الإسلامية التي صِيغَتْ في إطار تاريخي مشوش في فترة ما في الماضي، بما في ذلك الإطار الذي صَوَّرَ فيه النبي عليه السلام أن المبادئ تعد بمثابة الجوهر، وأن تطبيقها في وقت معين هو الشكل الخارجي المتغير، ولكننا يجب أيضا أن نحترس من أن نصوغ تلك المبادئ في شكل غير ملائم لمجرد أنها سوف تُقَدَّمُ إلى مجتمع معاصر ومتقدم من الناحية المادية مثل الولايات المتحدة الأمريكية.

3- إنني الآن سوف أنظر باختصار - في ضوء السيرة - إلى مجموعة من الأفكار الخاطئة حول عملية التوجه إلى الاتجاه الإسلامي:
أ- إن بعض الجماعات في حين أنها لا تذهب إلى مدى الاعتقاد الواعي بأنها تتكون من المسلمين الوحيدين، فإنها تقوم بالعمل والتخطيط على أساس ذلك الافتراض، ومن ثَمَّ ترفض الاعتراف بالمساهمات القيمة للجماعات الأخرى، والأفراد والهيئات الرسمية وتحاول أن تعزل نفسها عنهم. وفي الحقيقة لم يكن هناك شيء إسلامي في الفترة المكية سوى أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين القلة الذين اتبعوه، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد شجع كل شيء كان يُعتبر حميدا طبقا لمقاييسه الإسلامية، وكان يقر به كشيء حميد. وهكذا حينما كان في المدينة فإنه تذكر حلف الفضول وامتدحه، وقد كان هدف ذلك الحلف هو الدفاعَ عن المظلومين ومساعدة الفقراء، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اشترك في تكوينه عندما كان في العشرين من عمره لماذا يجب حينئذ أن نرفض الاعتراف بالطبيعة الإسلامية لشيء أو عمل لمجرد أن شخصًا آخر هو الذي قام به؟ إنني أعتقد أن الاتجاه السليم هو الاعتراف والتشجيع لكل شيء إسلامي بصرف النظر عمن قام به، واعتباره مصدر قوة لعملية التوجه إلى الوجهة الإسلامية.

ب- يوجد بعض الذين يعتقدون أننا لا نستطيع أن نُكَوِّنَ دولة إسلامية في بلدة معينة:
1- إلا حينما نجعل جميع من سَيَكُونون بمثابة أعضائها مسلمين حقيقيين ومخلصين، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم- لم يفعل ذلك، ومن المؤكد أنه من الخطأ وغير العملي أن نعتقد أنه ليس من الممكن إقامة مثل تلك الدولة في أية بلدة إلى أن يقتنع معظم أهلها، أو إلى أن نكون قدمنا تعليما وتدريبا إسلاميًا صحيحا لجميع الموظفين الذين سوف يتولون مؤسساتها.
2- وإلا حينما نُعِدُّ مُخَطَّطًا لمجتمع المستقبل هذا. ومرة ثانية، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك ولم يفعله أي مُصلِح أو أي حركة ثورية في أي وقت.
3- وإلا حينما يكون لدينا قادة يتمثلون في رجال يحوزون على المعرفة والتقوى مثل أبي بكر وعمر. ولكننا لا نقوم بأي عمل من أعمال العبادة في الشكل السامي الذي كان يقوم به أبو بكر أو عمر، وإنهما هما أنفسهما لم يصلا إلى مستوى النبي، ولذلك فلتكن دولتنا ناقصة مثل صلاتنا، وبأية حال فإنها سوف تكون أفضل من الدولة الغير المسلمة، مثلما تعتبر صلاتنا الناقصة أفضل من لو لم نصل على الإطلاق.

فلنفترض الآن أن مجموعة من المسلمين الذين يعملون على تكوين دولة إسلامية في جزء ما من العالم هم:
أ- مخلصون.
ب- ويَتَّبِعُونَ الأسلوب الصحيح للتحول إلى الوجهة الإسلامية.
هل يعني ذلك أنهم سوف يحققون تلك الغاية بطريقة مؤكدة؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، فلماذا؟ وما هي حينئذ الجدوى من جهودهم؟
إن الجواب هو أن نجاحهم يعتمد على شرط آخر، وهو أن هؤلاء الصادقين منهم عن حق يجب أن يتصفوا بالحكمة بالمقارنة مع هؤلاء الذين يعارضونهم. وإلا فإنهم قد يتعرضون للاغتيال بواسطة أعدائهم، أو قد يُرغَمُون على ترك وطنهم إلى مكان آخر مثل الأنبياء, وكثير من المؤمنين المخلصين مثل أصحاب الأخدود.

وحتى في ذلك الوقت فإن جهودهم لن تضيع هباء:
أولاً: لأن الله يقول {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} [محمد: 7]. ونظرًا لأن عون الله في تلك الحالة لم يأت في شكل النصرة على أعدائهم - للسبب الذي ذكرناه - فإنه من المحتم أنه سوف يجيء في شكل عقاب لهؤلاء الأعداء جزاءً لما ارتكبوا.
وهكذا، إذا لم تنجح الجماعة الصغيرة للمسلمين المخلصين في أن تحل مَحَلَّ الجماعات الكبرى من غير المؤمنين، فإنها على الأقل سوف تؤدي إلى سقوطهم، وفي أثناء ذلك فإنها سوف تنجح في الحد من الشر في العالم، وهكذا تمنح الخير فرصة جديدة لأن يزدهر.

ثانيًا: لأنهم بالطبع سيحصلون على الأجر الحقيقي في الحياة الحقيقية، الحياة الخالدة بعد الموت، ويتمتعون بالسعادة القصوى بأنهم سيكونون دائما في حضرة الله سبحانه وتعالى.
المادة باللغة الإنجليزية
ـــــــــــــــــــــــــــ
 وقد نشر اتحاد العلماء الاجتماعيين المسلمين سير جلسات اجتماعاته السنوي الرابع في جزأين تحت عنوان (من المسلم إلى الإسلامي) في أغسطس 1975، إبريل 1976م.
لقد حاولت أن ألقي بعض الضوء على تلك المشكلة في مقالتي "العلم الاجتماعي الإسلامي، معناه وملاءمته في (من المسلم إلى الإسلامي)" سير جلسات المؤتمر السنوي الرابع لاتحاد العلماء الاجتماعيين المسلمين، الجزء 2، اتحاد العلماء الاجتماعيين المسلمين 1975، ص1 – 11.
 هنا بعض الأمثلة:
أ- الطبري: "إن الله لا يغير حالة القوم، من الصحة والنعمة بأن يحرمهم منها ويهلكم إلا إذا غيروا هم ما بأنفسهم بقيامهم بالأعمال الآثمة تجاه بعضهم البعض واعتدائهم بعضهم على البعض" محمود محمد شاكر (طبعة) تفسير الطبري القاهرة، 1957 الجزء 16، ص 382 – 383.
ب- ويقول ابن كثير في تعليقه على سورة الأنفال 53: "إن الله يخبرنا عن عدالته التامة وإنصافه في الحكم، و أنه لا يغير نعمة منحها لشخص إلا بسبب إثم يكون قد ارتكبه ذلك الشخص، كما قال.." ثم اقتبس الآية التي نتحدث عنها. تفسير القرآن العظيم، بيروت، 1969، الجزء 2، ص 320.
ج- ويقول ابن الجوزي: "الله... هو الذي لا يحرمهم من نعمة إلا إذا... وارتكبوا ما يحرمه" زاد المسير في علم التفسير، المكتب الإسلامي، بيروت، 1965، الجزء 4، ص 312.
د- وإن القرطبي قد ضرب مثل ذلك التغيير بالهزيمة التي عانى منها المسلمون في غزوة أحد، والتي كانت نتيجة للتغيير الذي حدث في أنفس المحاربين (أي عصيانهم لأوامر النبي) الجامع لأحكام القرآن: القاهرة 1965، الجزء 9 ص294.
ما هلك قوم حتى يغدروا من أنفسهم.
لقد اقتبس الطبري هذا الحديث في تعليقه على الآية، وهو يقول أنه يوجد دليل واضح في الآية على صحة ذلك الحديث.
 

. . 95 . 0
إضافه رد جديد
التعليقات 0