منهج التحول إلى الإسلام 2

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

 
 

تطبيق النظرية
ولكن كيف يستطيع أن يعاوننا ذلك الشرح النظري لارتفاع وسقوط الأمم في إيجاد الطريق للاتجاه بالمجتمع إلى الجهة الإسلامية؟
أولاً: لما كان الاتجاه إلى الوجهة الإسلامية يجب أن يُخطط له، وأن التخطيط يقوم على أساس التنبؤ بأحداث المستقبل؛ فإن ذلك التفسير القرآني للتغيير الاجتماعي يعاوننا في أن ننظر إلى ما وراء المظاهر المتمثلة في القوة المادية لأي أمة حتى نرى العوامل الحقيقية التي تؤدي إلى تماسُكها أو تتسبب في انحلالها. وإننا الآن نعلم أن الطريقة الوحيدة لضمان استمرار نِعَم الله هي اتباعُ الطريق الذي اختاره الله لعباده، وأيةُ أمة تنحرف عن الطريق من المؤكَّد أنها سوف تصاب بالضعف، إن لم تصب بالهلاك التام، ولن تستطيع أي ثروة، أو أي معرفة دنيوية أو قوة مادية - من أي نوع - أن تنقذها من ذلك المصير المحتوم {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون} [الروم: 9 ،10].

إن واجبنا ليس هو أن نجلس وقلوبُنا مفعمةٌ بالبهجة في انتظار السقوط المحتوم للمجتمعات المنحرفة، كَلَّا إن ذلك ليس بموقف أناس يَدِينون بالشعور بالمسؤولية، إن واجبنا هو أن نُنذِر تلك المجتمعاتِ بطريقة مخلِصة ورحيمة ومقنِعة؛ حتى نساعدهم في إدراك التماثل بين أساليبهم والأساليب التي أدت إلى سقوط المجتمعات الأخرى، ونشرحَ لهم ببعض التفصيل العملية التي بمقتضاها يؤدِّي الانحراف عن طريق الله إلى الشقاء والمحن، بل ويؤدِّي في نهاية الأمر إلى سقوط المجتمع أو حتى هلاكه التام.

إن ذلك الموقف الذي يتضمن تقديم إنذار مخلص ومقنع يجب أن يكون هو موقفَنا تُجاه جميع المجتمعات والأمم سواء كانت تنتمي إلى الإسلام أم لا، إن هدفنا وواجبنا ليس هو تدميرَ المَدَنِية الغربية والبناءَ على أنقاضها، ولكنه يتمثل في بذل الجهد لإنقاذها وإرشادها إلى الطريق الصحيح، ولكنها إذا لم تبالِ بإنذارنا أو تستمع إلى نصحنا؛ فإن سقوطها سوف يكون محتومًا، ونكون حينئذ قد أَعفَيْنا أنفسنا من المسؤولية.

ثانيًا: ومما يُعَد أكثر أهمية، أننا بمقتضى معرفتنا أن التقرب إلى الله هو سرُّ النجاح يجب أن نفعل ما في طاقتنا من أجل تحقيق ذلك الهدف، ونرفضَ بحزم كل ما يجعلنا نحيد عنه مما قد يُصاغ إلينا في إطار أساليبَ وحِيَلٍ قد تبدو بمثابة الطريق الممهِّد للنجاح بالنسبة للأشخاص قليلي التبصر الذين تبهرهم الأضواء الوامضة. وإذا كنا نعني بالنجاح مجرد حيازة مجموعة من الناس للسلطة - وذلك ما يحدث كثيرًا - فإننا حينئذ لا نكون في حاجة إلى السعي للحصول على الإرشاد الإسلامي بالنسبة لكيفية تحقيق ذلك، ولكننا إذا كنا نرغب أن تقع تلك السلطة في أيدي أشخاص يستخدمونها لتكوين والحفاظ على مجتمع يتمتع بالتأييد الذي وعد الله بمنحه المجتمعاتِ التقيةَ؛ فإنه حينئذ توجد طريقة واحدة فقط لتحقيق ذلك. وأي جماعة من الناس تحب أن تكون جديرةً بالحظوة التي تضعها في مَصاف أفضل الأمم، يجب أن تُثبِت أولاً أنها تسير على هدى الله.

إن جوهرَ أن يكون الإنسان على طريق الله هو شيءٌ يكمن في القلب، ومن ثَم فهو غير قابل للملاحظة المباشرة بواسطة الأشخاص الآخَرين، ولكنه يكون شيئًا واضحًا لله، وإن الله ينظر في قلوبنا ليرى إذا كنا جديرين بمعاونته لنا أم لا، وبقدر ما نَدِين بالإخلاص، بقدر ما نحصل على معاونته وتأييده. إن كل عنصر من عناصر الشرك والنفاق يكون بمثابة عائق كامن في طريقنا، وسببًا كامنًا لهزيمتنا. وهكذا كلما كان المسلمون في وقت النبي يعانون هزيمةً أو نكسة مؤقتة في معاركهم ضد الكفار، كان الله يوجههم لأن يبحثوا عن سبب ذلك في قلوبهم. فمثلاً فإن سبب هزيمتهم المؤقتة في أُحُد كان يرجع إلى حقيقة أن بعضًا منهم قد رغبوا في متع الحياة الدنيا، وفي حُنين كان يرجع إلى مباهاتهم بأعدادهم الكبيرة.
ولذلك فإننا يجب أن نكون منتبهين حتى لا يزحف ذلك الزيف إلى قلوبنا، ولو أنه وجد طريقًا إلى قلوبنا، فإننا يجب أن نبذل كل ما في طاقتنا لنطهر أنفسنا منه بالاستغفار والتوبة، وبإقامة الأعمال الصالحة وغيرها من أعمال العبادة. إن آثامنا هي عدونا الحقيقي، وإن الإخلاص هو سلاحنا الحقيقي الذي لا يمكن تدميره.

إن التأكيد على تلك النقطة من الممكن أن يثير القلقَ ظنا بأن ذلك قد يكون بمثابة دعوة إلى نوع من الصوفية السلبية، وإنكارًا لجميع الأنشطة العامة، وخاصةً السياسية. ومن الممكن أيضًا أن يقودنا إلى الاستنتاج الخاطئ بأن رغبة الجماعة من المسلمين في تولي السلطة تعد شيئًا آثمًا.
ولذلك فإنني أود أن أؤكد أن ذلك ليس هو غرضي، وأحب أن أضيف أن ذلك النوع من القلق هو نفسه يعد نتيجة لمفهوم خاطئ للعَلاقة بين حالتنا العقلية وأعمالنا وأنشطتنا. إن جهدنا في تطهير قلوبنا لا يجب تصوره كفعل تَحوُّلي يعوق أو يبطِّئ أنشطتنا العامة، ولا يجب أيضًا أن نتجنب الأنشطة العامة باعتبارها أعمالاً دنيوية غير جديرة بالشخص التقي. إن القلب الطاهر الواعي بالله يعد بمثابة قوة دافعة تقودنا إلى الأعمال الدنيوية الصالحة، وإن طبيعة أنشطتنا العامة تعد بمثابة التعبير الظاهري لنوع الإيمان الذي يكمن في قلوبنا.
لقد أعلنتُ فيما سبق أن أسلوب الشخص في تحقيق هدف مرغوبٍ فيه يعتمد على ما يعتبره بمثابة مسبِّباته الفعالة وعلى مفهومه للعَلاقة القائمة بين تلك المسبِّبات.

إن المُلحدِين يَقصُرون أنفسهم على الأسباب الطبيعية والجهد الإنساني، ظانين أن تلك فقط هي الأسبابُ الحقيقية الفعالة لأي تغيير في العالم. ونحن نضيف إلى تلك الأسباب اعتقادنا أنه بما أن كل شيء في العالم هو من خلق الله؛ فإن الله وحده هو المسبِّب النهائي لكل ما يحدث في العالم؛ ولذلك فإنه يكون أمرًا طبيعيًا بالنسبة لنا أن نُضمِّن في نظامنا للأسباب الفعالة أشياءَ مثل الصلاة، والاستغفار، والتوبة، وعمل ما يوصي به الله وتجنب ما يحرمه، ويصل الإنسان إلى مصاف أولياء الله من خلال أفعال العبادة تلك. وعندما نكتسب حب الكائن الذي يتحكم في العالم لن يستطيع أي شيء أن يقف في طريقنا.

إن اتجاهنا هذا سوف يبدو غريبًا عندما تتم مقارنته بالأفكار والفلسفة السائدة الآن في عالمنا. وطبقًا لما قال النبي فإن الإسلام قد بدأ غريبًا حينما ظهر، وسوف يعود غريبًا مرةً أخرى، يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((بَدَأَ الإسْلَامُ غَرِيبًا، وسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ))؛ رواه مسلم.
ولو أننا رغبنا في أن نكون على طريق الله ونحظى بتأييده، فإن من الضروري - ولكنه ليس من الكافي - أن نكون مخلصين طاهري القلوب، وإلى جانب الرغبة المخلصة في إرضاء الله، فإننا يجب أن نضيف التعرف على الأفعال الصالحة والأساليب التي ترضي الله والتي يَعتبرها أفضل الوسائل لتحقيق الغايات التي وضعناها نصب أعيننا، وأن ذلك ينطبق على رغبتنا في تحقيق الدولة الإسلامية المثالية. ونظرًا لأن هدف النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما كان في مكة كان أن يُكَوِّن مثل تلك الدولة؛ فإننا يجب أن ندرس سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحاديثه الموثوقَ بصحتها إلى جانب القرآن.
 

                                                                                                                                   إضغط هنا للمت
 
عام . Moderator Eslam . 20/06/2013 . 41 . 0
إضافه رد جديد
مجموع التعليقات (0)