منهج التحول إلى الإسلام 1

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

 
 
مقدمة
(عملية التحول إلى الاتجاه الإسلامي.. بشائرها وتحدياتها)

كانت هي موضوعَ المناقشةِ في المؤتمر السنوي الثالث عشر لاتحاد الطلبة المسلمين، الذي عقد في جامعة توليدو، بتوليدو، أوهيو، في أواخر شهر أغسطس عام 1975.
ويُعَدُّ هذا الكتيب بمثابة نسخة معدلة لما قدمه البروفيسور إدريس في المؤتمر، وإن نشره في شكل كتاب يرجع - ولا شك - إلى قيمته العلمية، كما يعتبر استجابة للمطالبة بنشره، تلك التي جاءت من مجموع أعضاء اتحاد الطلبة المسلمين.

إن عملية التحول إلى الاتجاه الإسلامي قد تم اختيارها موضوع المناقشة في الاجتماع السنوي الثالث عشر للمؤتمر؛ نتيجة لإدراك ذكيّ من اللجنة الإدارية لاتحاد الطلبة المسلمين، ولجنة وضع برامج المؤتمر؛ للحاجة الملحة لتقديم دراسة منظَّمة للنظرية الإسلامية للتغيير الاجتماعي، وإقامة الاستنتاجات من تلك النظرية، وتطويرها، وإثبات صحتها بالنسبة للمجتمعات المعاصرة.
وفي وقت سابق من ذلك العام نفسه (في يونية 1975)، كان اتحاد العلماء الاجتماعيين المسلمين قد اختار (من المسلم إلى الإسلامي) موضوعًا للمناقشة في اجتماعه السنوي الرابع، وقد ساهم الدكتور إدريس أيضًا في ذلك المؤتم

إن عرض الدكتور إدريس لعملية (التحول إلى الاتجاه الإسلامي) لَيَتَّسِم بالقوة والأسلوب العلمي، وسوف يجد القارئ الوضوح والمباشرة في معالجة الكاتب لذلك الموضوعِ المهم؛ فهو لا يترك القارئ يتخبط في التخمينات حتى يتعرف على موقفه من بين المواقف التي يثار حولها الجدل، ولكنه يذكر موقفه بوضوح، دون أن يتظاهر بأنه يحوز (معرفة أفضل)، بل ودون أن (يحيط نفسه) بغِلاف من الاصطلاحات (المهنية) المُشَوِّشَة، التي دائمًا ما يصاب العلماء المسلمون (المتشبهون بالغرب) بدائها.
وإن مما يتميز به الدكتور إدريس أيضًا هو أنه يشير إلى القرآن بشكل مباشر حين يشتق منه النظرية الإسلامية للتغيير الاجتماعي، كما أنه يطرح الأسئلة، ولا يتردد في إجابتها، وقد أبدى وجهة النظر بأن قانون التغيير الاجتماعي يكمن في الآية: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].

وينشأ السؤال: إذا ما كان التغيير الاجتماعي المشار إليه في القرآن الكريم هو من الخير إلى الشر؟ أو من الشر إلى الخير؟ أو يحتمل كلا المعنيين؟
ويرى الدكتور إدريس أن التغيير الذي تشير إليه الآية القرآنية هو من الخير إلى الشر؛ لأنها هي التغييرات الوحيدة التي تنسجم مع المبدأ الإسلامي الأساسي، ولأنها قد تم تأييدها بكثير من الآيات الأخرى.
وإن ذلك الموقف، بالرغم من تدعيمه، يحتاج إلى القيام بدراسة انتقادية بواسطة باحثين آخرين.
ولقد طرح الدكتور إدريس مسألتين أُخْرَيَيْنِ ذاتَيْ أهمية، تتعلقان بعملية التغيير الاجتماعي الإسلامي، وهما: دور التخطيط، ودور الدولة.
وقد أكد كلا من أهمية التخطيط والدولة باعتبارهما ضروريتين ولكنهما غير كافيتين في حد ذاتهما لتحقيق التحول إلى الاتجاه الإسلامي في المجتمعات المسلمة المعاصرة.
وما ذكرنا من نقاطٍ جزءٌ من المناقشات المهمة التي وردت في هذا الكتاب، والتي نعتقد أنها ملائمة لإغراء أي عالم جاد أن ينغمس في قراءة ممتعة للصفحات التالية.
وإننا نأمل أن تكون تلك الدراسة - بالإضافة إلى إسهامها في زيادة ثروة الثقافة الإسلامية - حاثةً لبعض العلماء المسلمين على إجراء أبحاثٍ أكثرَ تعمقًا حول هذا الموضوع.
ونختتم تلك المقدمة بالآية الأولى التي أنزلت في القرآن الكريم {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1].

 

محمود رشدان
السكرتير العام
لاتحاد الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة وكندا

 

 

عملية التحول إلى الاتجاه الإسلامي
إن هدف الحركة الإسلامية هو تكوين مجتمع جديد في مكان ما من العالم يكون مقدِّسًا تمامًا لتعليمات الإسلام ويعمل على تطبيق تلك التعليمات في حكومته، وتنظيماته السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وعَلاقاته مع الدول الأخرى، ونظامه التعليمي، وقِيَمِه الأخلاقية وجميع الأوجه الأخرى في أسلوب معيشته.
إن عملية التحول إلى الاتجاه الإسلامي تتمثل في جهدنا المنظَّم والتدريجي الذي سوف يبلغ أوُجَّه في تحقيق ذلك المجتمع.
ذلك بالطبع يؤدي إلى طرح السؤال التالي: هل توجد طريقة إسلامية لتحقيق ذلك التحول إلى الاتجاه الإسلامي؟ أو بعبارة أخرى، هل الإسلام يقوم فقط بتحديد الهدف المرادِ التوصلُ إليه ويترك إلى الأفراد اختيار الوسيلة التي يتم بمقتضاها تحقيق ذلك الهدف أو أنه يحدد أيضًا الوسائل التي تُتخذ من أجل التوصل إلى ذلك الهدف؟
والإجابة على هذا السؤال سوف تتسم بالوضوح حال ما نبتدئ في النظر إلى بعض القضايا الرئيسة المتضمَّنة فيه.

كيف يأتي نظام اجتماعي معين إلى الوجود؟:
إن الإجابة على هذا السؤال تعتمد في تحليلها الأخير على وجهة نظر الإنسان بالنسبة لطبيعة الحقيقة؛ وذلك لأن تحقيق بعض النتائج الاجتماعية المعَيَّنة يعتمد على الأداء السليم لبعض الأفعال التي بدورها تقوم على أساس الاعتقاد في وجود عَلاقة سببية بين تلك الأفعال والنتيجة المرغوبِ في تحقيقها، واختيار تلك الأفعال السببية يعتمد على مفهوم الإنسان للحقيقة ككل. إن الشخص المؤمن بالمذهب المادي - الذي يعتقد بصفة أساسية أنه لا يوجد شيء في الكون سوى المادة وحركتها - لن يُضمِّن تلك الأفعال أشياء مثل الصلاة، أو النِّيات، أو القِيَم الأخلاقية؛ لأن تلك الأشياء في اعتباره ليست بأكثر من مجرد أسماء لا تشير إلى أيَّة حقيقة، ولذلك ليس من الممكن بحال أن تكون ذات أثر.
وإذا كانت الوسائل التي تُتخذ لتحقيق الأهداف ترتبط بتلك الكيفية من وجهة نظر الإنسان بالنسبة للكون؛ فإن عملية التحول إلى الاتجاه الإسلامي يجب أن ترتبط بوِجْهَة النظر الإسلامية تُجاه الحياة. ولقد ثبت ذلك الأمر من خلال حقيقةِ أن الإسلام يعتبر بمثابة رسالة ونظام، إنه يُعتبر كمجموعة من الحقائق التي يجب أن يحولها المؤمن إلى واقع، وإنه يعتبر بمثابة النظام الذي يتم ذلك التحول بمقتضاه. ولقد ورد تلخيص مبادئ ذلك النظام في القرآن، ولكننا لا نستطيع أن نفهمها بطريقة صحيحة إلا في إطار سيرة النبي التي تعد بمثابة ترجمة صحيحة لتلك المبادئ.
إنني فيما يلي أقدم بيانًا مفصَّلا لذلك النظام، ولكنني آمل أن يكون شاملاً، وسأبتدئ من القضايا المتعلقة بالمفاهيم حتى أصل إلى بعض التفاصيل العملية.

 


النظرية الحتمية للتاريخ
إن أسلوبنا للتحول إلى الاتجاه الإسلامي يجب أن يقوم على أساس مفهومنا للعَلاقة الاجتماعية بين السبب والمسبِّب والتفسير التاريخي، أي على أساس وجهة نظرنا تُجاه العملية التي بمقتضاها ترتفع وتسقط الأمم والحضارات. وحتى نتعرف على التفسير الإسلامي لذلك النوع المهم من التغيير الاجتماعي، فمن المفيد أن نضاهِيَه بالفلسفة التاريخية المعاصرة التي تُعد مضلِّلة بالرَّغم من سطوتها. وطبقًا لتلك الفلسفة فإن التاريخ يعد بمثابة حركة ذات مسار منفرد ومحدَّد يؤدي بطريقة تدريجية وحتمية إلى الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى أكثرَ تطورًا، ويستطيع الناس أن يؤثروا على تلك الحركة إما من خلال الزيادة أو الحد من درجة سرعتها، ولكنهم ليست لديهم القدرة على إيقافها أو تغيير مسارها، وإن هؤلاء الذين يحاولون إيقافها أو تغيير مسارها ليؤدُّوا إلى إبطائها هم الرجعيون، أما هؤلاء الذين يدفعونها ويعجلون مسارها فهم التقدميون. وإذا كان الإنسان يهدُف إلى تحقيق ثمرات جهوده؛ فإنه يجب أن يستكشف تلك الحركةَ التاريخية، ويرى ما هي المرحلة المستقبلة التي سوف تؤدي إليها، ويرى إلى أي مدًى تتماثل أهدافه ومُثُله العليا مع تلك المرحلة، ثم يوجه جميع جهوده إلى الهدف الذي تؤدي إليه تلك الحركة التاريخية بطريقة حتمية، وإلا فإنه سوف يضيع وقته في جهود رجعية لا طائل منها.

ونحن نعلم أن الشيوعيين يقرون بذلك الرأي، ولكنهم ليسوا وحدهم الذين يفعلون ذلك؛ إذ يوجد الكثير من أعداء الشيوعية الأشداء الذين يفترضون حقيقة ذلك الرأي دون قصد، ونجد من بين هؤلاء الناس الرجال والنساء الغربيين والمتشبهين بالغرب الذين يعتقدون أن المرحلة التي وصل إليها الغرب الآن - وخاصة الولايات المتحدة - تعتبر في مجموعها أكثر تطورًا في كلٍّ من الناحيتين المادية والحضارية، وفوق ذلك فإنها هي المرحلة التي يتحتم أن تنتقل إليها جميع الأمم الراغبة في تحقيق الثورة الصناعية وإحراز المدَنِيَّة. وهذا الاتجاه الذي يعتنقه الكثيرون في العالم الإسلامي ممن يعتنقون الشيوعية أو يخفون أنفسهم وراء القناع الغربي يَعتبر أن الموقف الذي يقضي بتحويل المجتمع إلى الوجهة الإسلامية غيرُ ذي جدوى لأنه يتعارض مع الاتجاه التاريخي. وبالنسبة للشيوعيين فإن الاتجاه التاريخي يؤدي إلى الاتحاد السوفيتي وإلى الدولة الشيوعية المثالية، أما بالنسبة لعملاء الغرب والمتشبهين به، فإنه يؤدي إلى الولايات المتحدة، ومن ثم إلى ما سوف تصل إليه الولايات المتحدة.

النظرية الإسلامية للتغيير الاجتماعي
لعل أفضل طريقة لتقديم الفلسفة الإسلامية للتغيير الاجتماعي - في ضوء ما يجب أن نقيم برنامجنا للتحول إلى الوجهة الإسلامية على أساسه - تتمثل في تعليقنا على تلك الآية القرآنية الشهيرة:
{إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].
إن النقاط الرئيسة التي نجدها في هذه الآية هي:
1- إله لديه قوة مطلقة للعمل.
2- بشر لديهم حرية محدودة للعمل.
3- تغيير يحدثه الإنسان داخل ذاته.
4- تغيير في حالة الإنسان يحدثه الله نتيجة لذلك التغيير الإنساني.
إن تلك النقاط الأربع تُكَوِّن الشرح الإسلامي أو فلسفة التغيير الاجتماعي؛ ولذلك فلندرس ما تتضمنه تلك النقاط بإيجاز.

إن النقطة الأولى تميز مفهومنا للتغيير الاجتماعي عن النظريات المادية والطبيعية التي تفترض عدم وجود الله، ومن ثَم تعتنق مبدأ الاكتفاء الذاتي للكون، أي المبدأ القائل: من الممكن تقديمُ تفسير وافٍ للظواهر في هذا الكون، سواء كانت ظواهر اجتماعية أو خلافها بالاستعانة بالقوانين الخاصة بها. إن تلك الفكرة الإلحادية - لسوء الحظ - قد تمت مطابقتها مع الطريقة العلمية بشكل كبير حتى إنه يتم في الحال استبعاد أية إشارة إلى الله في تعليل تلك الظواهر باعتبارها شيئًا يتنافى مع العلم وليس مجرد أنها تتنافى مع الفكر الإلحادي.
ومن الواجب أن نحذر من ذلك التشويش الذي لا مبرر له، وأن نُصِرَّ على أهمية وضرورة واستحسان إدراك دور الله في تفسير الظواهر الطبيعية والاجتماعية في عالمنا
وتلك النقطة تميز مفهومنا كذلك عن وجهات النظر الإلحادية التي بمقتضاها يُعَد الخالق مجرد محرك رئيس، دوره الوحيد هو بَدْء الخليقة، ثم تركها بعد ذلك لتعنى بأمرها.

وإن النقطة الثانية تُظهِر تفوق مفهومنا للتغيير الاجتماعي على النظريات الحتمية التي تفترض أن الإنسان ليست له فاعلية حقيقية أو حرية للاختيار، وأن كل شيء يقوم به يكون مفروضًا عليه بقوة إلهية أو بواسطة مسبِّبات طبيعية أو اجتماعية. والإنسان حقيقةً لا يستطيع أن يفعل أيَّ شيء ضد مشيئة الله، ولكن الله قد شاء أن يمنحه حرية الاختيار، والحرية في تحقيق بعض نِياته وإن تعارضت مع الإرشاد الذي قدمه الله له، وإن واحدًا من المجالات المهمة للغاية التي أعطى الله فيها الإنسان حرية العمل هي حالته الداخلية. وبما أن الكثير مما يحدث للإنسان يعتمد على حالته الداخلية؛ فإنه يمكن القول بأن الإنسان يعد مسؤولا إلى حد كبير عن مصيره.

وإن النقطة الثالثة تخبرنا عن تغيير يحدثه الإنسان داخل ذاته. فأي نوع من التغيير هذا؟ هل تغيير من الخير إلى الشر أو العكس، أو إنه من الممكن أن يكون أيا منهما؟ إن التفسير الغالب لتلك الآية الآن هو التفسير الأخير، وإن ما يفهمه معظم الناس الآن من تلك الآية هو أنه عندما يتغير الناس من الخير إلى الشر، يعاقبهم الله بتغيير أحوالهم من الخير إلى الشر والعكس بالعكس. ولكن ذلك يختلف عن التفسير الذي نجده في التعليقات القديمة؛ فإن المعلقين الأقدمين يبدو أنهم يفهمون أن التغيير الذي يشار إليه في الآية هو تغيير من الخير إلى الشر ويبدو لي أن هذا هو التفسير السليم؛ لأنه الوحيد الذي يتوافق مع المبدأ الإسلامي الرئيس ولأنه قد تم تأييده بآيات أخرى كثيرة.

- وإن النقطة الرابعة تقول لنا أنه عندما يتغير قوم، ويعاقبهم الله بأن يحرمهم من بعض النِّعَم الرُّوحية والمادية التي منحها لهم وهكذا يجعلهم يعانون الضِّيق.

النِّعَم فضل من عند الله:
ولكن لماذا أُفَضِّل التفسير القائل بأن التغيير الذي ذكرناه في الآية هو تغيير من الخير إلى الشر؟
إن السبب في ذلك يرجع بصفة رئيسة إلى أن النعم - طبقًا للقرآن - لا تمنح للناس في بادئ الأمر نتيجة لأي عمل خير يقومون به، ولكنها تمنح لهم فضلاً من الله. إن الله هو الرحمن، وذلك يعني أنه سبحانه هو الذي يبادر بالخير ويمنحه دون مقابل ولا ينتظر حتى يبادر الناس بفعل شيء يتسم بالخير ثم يكافئهم من أجله. إن النعم - سواء كانت روحية أم مادية - تمنح للناس من خالقهم وذلك ينبع من رحمته وفضله. ولو أنهم كانوا شاكرين، فسوف تُحفظ لهم تلك النعم، بل إنها سوف تزداد، ولكن لو أنهم ارتكبوا أفعالاً تتسم بالجحود، فإن الله يعاقبهم بأن يحرمهم من بعض تلك النعم إن لم يكن منها جميعها، ولكنهم إذا تابوا وعادوا إلى الطريق القويم فإن تلك النعم تعود إليهم.
إن المَثَل الذي يدل على ذلك تمامًا هو مَثَل آدم، إن الله قد خلق آدم ووضعه في أفضل الحالات ومنحه الطُّمأنينة ووفر له وسائل الراحة المادية، ولكنه عندما أكل من الشجرة المحرَّمة (التي لم تكن شجرة المعرفة) فإنه فقدَ بعض ذلك.
وينطبق نفس المبدأ على المجتمعات والأمم الأخرى التي يُشار إليها في القرآن، كالقرى، أو أهل القرى. فلنبتدئ بالسُّنن التي تتحكم في سقوط أو هلاك الأمم الجاحدة، ثم ننتقل إلى تلك التي تتحكم في بقاء وسطوة الأمم الشاكرة.

وفيما يلي بعض الأمثلة مما يحدث للأمم الجاحدة:
إن أهل سبأ الذين عاشوا بين حديقتين قد أمروا أن يأكلوا مما رزقهم الله، ويكونوا شاكرين لفضله، ولكنهم أعرضوا، ومن ثَم أَرْسَلَ عليهم الطوفانَ (سيل العرم) وبدلاً من الحديقتين اللتين أعرضوا عنهما أُعطوا حديقتين بهما فاكهة مُرَّة وأشجار الطرفاء، وقليل من الأشجار الأخرى، يقول الله بصدد ما حدث لهم:{ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ} [سبأ:17].
ولقد أخبرنا القرآن أيضًا عن: {قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [النحل:112].
وهكذا فإن السقوط والهلاك هو المصير النهائي المحتَّم لكل أُمة جاحدة، أي لأية أُمة تتمرد على الله وتَتَّبع طريق الفسوق.

ولكن ذلك الهلاك النهائي يحدث طبقًا لمبادئ، وفيما يلي بعض منها:
أ- إن الهلاك أو العقاب لا يقع على أمة إلا بعد أن تُنذَر إنذارًا كافيًا، ومن الممكن أن يأتي إليها هذا الإنذار من خلال وسيط أي رسول من عند الله:
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: 59].
{وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ. ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الشعراء: 208،209].
أو أنهم يتم إخبارهم بطريقة أخرى أنهم ظالمون حتى يُعِدُّوا أنفسهم للعقاب.
{وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ.فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأعراف: 4،5].
إن معنى تلك الآية يبدو أكثر وضوحًا في ضوء حديث النبي الذي يؤكد أنه لا تُهلَك أمةٌ إلا بعد أن تقر أنها هي وحدها الملومة وأنها هي التي جلبت على نفسها الهلاك وذلك يثبت بالآية:{ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} [الأنعام: 131].
نستطيع أن نستنتج من ذلك المبدأِ الإلهي أو السنن أنه: إذا كان هناك مجتمعان يتساويان في فُسوقهما وجحودهما؛ فإن المجتمع الذي أُنذر سوف يَهلِك قبل المجتمع الذي لم ينذر؛ ومن ثم فإننا نرى من القِصص التي تروى في القرآن حول الأمم المندثرة أن هلاك وسقوط تلك الأمم قد جاء بعد رفضها لرسل الله.

ب- إن الهلاك لا يأتي مباشرة، أي إنه لا يتم إهلاك الأمم أو إسقاطها مباشرة بعد أن تُبْدِيَ ما يدل على الجحود. ومرةً أخرى فإن ذلك يرجع إلى رحمة الله، إن الله يعطي بلا مقابل وبلا حدود ولكنه لا يأخذ ما وهبه دفعةً واحدةً: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} [الحج: 48].
{وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلاً.وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً} [الكهف: 58،59].

جـ- إن سقوط كل أمة كما قرأنا في الآية السابقة يكون طبقًا لأجَل محدد ليس من الممكن إرجاؤه أو تعجيله:{وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ.مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} [الحجر: 4،5].

د- قبل أن تَهلِك الأمة قد تمر بمحن قاسية مما قد يجعلها تتوب وتعود إلى الطريق المستقيم:{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41].

هـ- لا يتم إنزال العقاب بالنسبة لجميع الآثام في العالم وإلا لهلك جميع الناس:
{وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ} [النحل: 61].
لقد كانت تلك هي أسباب المحن والبؤس وسقوط الأمم فما هي إذن أسباب ارتفاع الأمم وازدهارها المادي والروحي؟
توجد بصفة رئيسة أحوال إنسانية معتادة يجب أن نكون جميعًا عليها، ويحب الله أن يرانا بها، إن الله يزود كُلاً منا ساعةَ مولده بطباع كريمة، يكون جوهرها الاعترافَ بأننا عباد الخالق الأحد، ويعد ذلك الاعتراف بمثابة جوهر إنسانيتنا ويُعَدّ مَنبعَ وقِوام كل شيء حميد بنا؛ مثل: التفكير المنطقي، والشعور الأخلاقي، الذَّوْق الفني، والمشاعر الأخوية، إلخ... وفوق ذلك، فإن الله خلق كل ما يحيط بنا بغرض منفعتنا؛ ولذلك فإن الحالة المعتادة التي نكون عليها هي حالة من السعادة الداخلية والطمأنينة التي تجيء نتيجة لشهادتنا الفطرية بعبوديتنا لله، تلك الشهادة التي تجد تجاوبها في الرسالة الإلهية التي تنقل إلينا عن طريق رسل الله، وهي أيضًا تعد حالة من النعيم الخارجي الذي يتحقق نتيجة لأن كل شيء يكون خاضعًا لنا ومقصودًا به إشباع حاجاتنا. إن كل واحد منا يولد تصاحبه تلك الحالة من السعادة الداخلية، ولكن واأسفاه، فإنه ليس هناك أيٌّ منا يجد نفسه في تلك الراحة المادية. إن الكثيرين ممن جاؤوا قبلنا قد غيروا تلك الحالة الداخلية التي خلقهم الله عليها ومن ثَم فإنهم تسببوا في أن يمنع الله الكثير من نعمه عن العالم. ولكن الله أكثرُ رحمةً من أن يصيبنا باليأس؛ لذا فإن الباب لا يزال مفتوحًا لجميع الناس ليعودوا إلى هدى الله حتى يتمتعوا بذلك النعيم المادي. وهنا سنقدم بعض أنواع السعادة التي يَعِد بها القرآن هؤلاء الناس:
أ- الراحة المادية:{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ} [المائدة: 66].
ب- السعادة الروحية:{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].

ج- النصرة على الأعداء:
بقدر ما يؤمن الناس بالله ويثقون به،ويطيعونه، يكون الله بجانبهم:
{وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 68].
وعندما يكون الله بجانبهم فإنه سوف يدافع عنهم:
{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج: 38].
وسوف ينصرهم: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} [محمد: 7].
{إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51].
وإذا دافع عنهم الله ونصرهم؛ فلن يستطيع أي شيء أن يتغلب عليهم:
{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ.إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ.وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 171-173].
{كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249].
وما داموا يحفظون عهدهم مع الله، فإنهم لن يقعوا أبدًا تحت سيطرة الكافرين أو يخضعوا لهم:{وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [النساء: 141].
{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8].
إن جوهر فلسفتنا للتغيير الاجتماعي قد أصبح واضحًا الآن. إن الأمم لا ترتفع وتسقط اعتباطا أو بدون قوانين تنظم نشأتها واندثارها. إن التاريخ ليس بمسار منفرد يجب أن تخطو فيه كل أمة سواء رغبت أم كرهت، فإن عالمنا الاجتماعي يحكمه الخالق الذي يجعل الأمم ترتفع أو تسقط أو تزدهر أو تعاني، وتنتصر أو تخضع طبقًا للقانون الأخلاقي للإقرار بفضل الله.
 
عام . Moderator Eslam . 20/06/2013 . 77 . 0
إضافه رد جديد
مجموع التعليقات (0)