الإسلام منهج حياة بخلاف المناهج الأخرى (1)

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

 

الإسلام منهج حياة بخلاف المناهج الأخرى (1)

 

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من هَمْزه، ونفخه، ونفثه، بسم الله الرحمن الرحيم، ونحمد الله عز وجل، ونصلي على أفضل خلقه، وخاتم رسله، وسيد أصفيائه، وإمام أنبيائه، سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته، وسار على طريقته، وانتهج نهجه إلى يوم الدين.

 

أما بعد.. فإن رب العزة سبحانه وتعالى الذي خلق الخلق هو الذي أمر ذلك الخلق بما أراد، وذلك الأمر ينقسم إلى قسمين:

1) أمر قدري؛ تسير به الشمس والقمر والنجوم والأفلاك، وتحمل به المرأة، ويكون به الولد، ويسيل به اللبن من الضرع، ويحدث به كل أمر قدري.

 

2) والقسم الثاني أمر تشريعي، تكليفي؛ ينفذه الطائعون، ويخالفه العصاة المذنبون، وربنا سبحانه وتعالى أذن وتفضل بأن اصطفى من البشر رسلاً عهد إليهم بوحيه ليُعمل به، وأمر الناس أن يعملوا بذلك الوحي مُقتدين بالأنبياء والمرسلين، فجعل لهم الدليل في المقال والمثال، في الوحي، والتطبيق حتى لا يبقى لأحد عُذر في الفهم، أو في أن يتحلل من ذلك الشرع، ورب العزة سبحانه وتعالى امتن علينا بأن جعل الرسل بشراً، يأكلون، ويشربون، ولدوا كما ولد سائر البشر، تعتريهم الأعراض البشرية من الأمراض، والجوع، والعطش، ويتزوجون، ويتناسلون، وكل ذلك ليقتدي الناس بهم، فلا يحتج محتج بأن الرسالة نزلت على من لا يجوع، فكيف نؤمر بالصوم مثله، أو على من لا يشتهي، فكيف ننهى عن الزنا، وغير ذلك لذلك فالإسلام منهج متكامل للحياة، لكن نريد أولاً أن نفهم ما معنى كلمة الإسلام؟ ما المدلول المقصود من كلمة: الإسلام منهج حياة؟

 

فنقول: إن للفظ الإسلام معانٍ متعددة يجمعها معنيان اثنان:

المعنى الأول: الإسلام الذي هو دين الله الذي بعث به الرسل جميعاً، دين آدم، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ودين موسى، وعيسى، والدين الذي ختم بمحمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين.

 

فهم جميعاً رُسل الإسلام، بُعثوا بذلك الدين، ولذلك قال رب العزة سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ [آل عمران: 19]، وقال: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ [آل عمران: 85].

 

هذا الدين دعا الناس إلى أن يعبدوا الله وحده، ولا يشركوا معه أحداً، هذا الدين دعا الناس أن يؤمنوا بأنه لا إله إلا الله، ويؤمنوا بأنبيائه ورسله، ويؤمنوا بملائكته وكتبه، ويؤمنوا بالبعث بعد الموت، وبالقضاء والقدر، لا يختلف ذلك من نبي إلى نبي، ولا من رسول إلى رسول.

 

والمعنى الثاني: دين الإسلام بمعنى الشرع الذين أنزل على النبي الخاتم، لأن رب العزة شرع شرائع للأنبياء بدل منها وغير حتى جاء خاتم المرسلين، وقد علم رب العزة سبحانه وهو العليم الخبير أن شرعاً يكفي الناس إلى أن تقوم الساعة؛ فختم الرسالات، وأتم النبوات بمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبياً ورسولاً.

 

المعنى الأول للإسلام معنى لا يتغير لأنه معنى عقدي، والمعنى الثاني بالمعنى الشرعي فيه جانب يتغير، وجوانب أبقاها رب العزة سبحانه وتعالى.

 

ولك أن تتدبر أن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - لما عرج به ليلة الإسراء والمعراج افترض رب العزة عليه خمسين صلاة، فمر على موسى فسأله عما كلفه رب العزة به فذكر خمسين صلاة، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإني فقد عالجت بني إسرائيل على أقل من ذلك فاستعصوا عليه، فكأن الصلاة كانت مشروعة للأمم السابقة.

 

وربنا سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ [البقرة: 183]، فشرع رب العزة الصلاة، وشرع الصيام، وشرع الشرائع للأمم، لكن هذه الشرائع اعتراها بعض الاختلاف؛ فنسخ الله ما شاء، وأثبت ما شاء، فجاءت الشريعة الخاتمة. شريعة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهي الشريعة التي يصلح بها حال الناس إلى أن تقوم الساعة، وهذه الشريعة هي ذلك المنهج الذي وضع العنوان من أجله، (الإسلام منهج حياة) والمناهج المخالفة إما أن تخالف عن زُهد وترك وعصيان، وإما أن تخالف عن ابتداع وتبديل، فالمنهاج المخالف إما أن يخالف ابتداعاً، كما وقع في ذلك فرق الضلال من مرجئة، ومعتزلة، ورافضة، وخوارج، وما تشعب من هؤلاء.

 

أو المناهج المخالفة في البدع كما وقع من مبتدعة الصوفية وغيرهم أو المناهج المخالفة بمعنى الذين تركوا الإسلام كليّ فكانوا على الكفر، أو من ساروا وراءهم، يظنون أن السعادة في أعمالهم؛ فعاشوا في بيوتهم حياة منفلتة عن الإسلام، وحكموا في أسواقهم حياة بعيدة عن واقع الإسلام، وجعلوا في محاكمهم، ومعاهدهم، ومدارسهم حياة بعيدة عن منهج الإسلام، فالإسلام منهج حياة بهذا المعنى، وذلك الإسلام هو الذي يسعد من حيي به، ومن عاش به، وعلى ذلك فمنهج الإسلام يعني أولاً منهج الاعتقاد بأركانه الستة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. ومنهج التعبد بما فيه من الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصدقات، والصوم، والحج، والعمرة، وذكر الله.

 

ومنهج التعامل بما فيه من مناهج الأموال، ومن مناهج البيوت، في الزواج، وتربية الأبناء، ومن مناهج إقامة الحدود، ومنهج التعامل عند الوفاق، وعند الشقاق مع الموافقين من المسلمين، أو المخالفين عن غيرهم: أهل كتاب، أو عُصاة، أو كفار.

 

فالإسلام منهج حياة، فإذا جئنا أولاً لننظر إلى الإسلام كمنهج حياة في الأسرة، وهنا - إخوة الإسلام - أريد أن أشير إشارة قوية إلى أن أمم الأرض تحسد المسلمين على نظام الأسرة، من أجل ذلك فإنهم يسعون سعياً حثيثاً في تفتيت الأسرة لأن الأسرة قد تفككت عندهم، لذلك فهم يعقدون مؤتمرات، ويُحررون الكتب، والنشرات، ويُثيرون الناس كلمات كلها تقصد تفكيك الأسرة، كأن يقولوا تحرير المرأة، من ماذا تحرير المرأة؟!! وما جعل المرأة سلعة تُباع وتُشترى بالأثمان إلا أنتم، وما جعل المرأة تتاجر بفرجها إلا أمم الكفر؟!

 

إنهم يأتون إلى بلاد المسلمين، ويقصدون تحرير المرأة، ويعقدون المؤتمرات بعنوان الأسرة، ويضعون للأسرة عناوين مضمونها عجيب، فقد تكون الأسرة رجلاً وكلباً، أو امرأة وكلباً، أو رجلاً وقطاً، أو امرأة وقطاً، يزهدون في الإنجاب ورب العزة سبحانه وتعالى امتن علينا بأن جعل لنا من أنفسنا أزواجنا.

 

وأزواج لما جاءت (جمعاً منكّراً) في سياق الامتنان، والنكرة تفيد في سياق الامتنان العموم والشمول، فليس لنا من أزواج إلا من أنفسنا، إلا من بني البشر، وهذا ما يعتمد عليه علماء أهل السنة في رد دعوى أهل البدع من زواج الإنسي من الجني، لأن الجني ليس من أنفسنا.

 

هذا النظام يحسدوننا عليه؛ ومن أجل ذلك فهم يقصدون أن يدخلوا إلى الأسرة ليُفتت نظامها، فما هو ذلك النظام الأسري الذي جاء في الإسلام؟ إنه نظام دقيق، ذلك النظام يبدأ بأن جعل من الفطرة في قلب الرجل الميل إلى المرأة، وفي قلب المرأة الميل إلى الرجل، فهذا الميل ليس ميلاً مُكتسباً، ليس ميلاً مُتعلماً، إنما هو ميل فطري بمعنى أن ابنتي إذا طرق طارق الباب، وجاء ليقول أريد أن أتزوج ابنتك، وقد بلغت مبلغ النساء، فلا أتعجب، ولا أقول له: ما يُدريك أنها تريد الزواج، أنا لا أعرف إن كانت تريد الزواج أو لا تريد لأن هذا أمر فطري، ولو أن ولدي الذي بلغ العشرين أو زاد عن ذلك جاءني يطلب مني أن أزوجه، ما تعجّبت لهذا لأن هذا أمر فطري فطر الله عز وجل عليه الخلق، فالرجال يميلون طبعاً إلى النساء، والنساء يملن فطرة إلى الرجال.

 

وإنما جاء الشرع لترويض ذلك الأمر الفطري كما قال رب العزة سبحانه: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ [النور: 30] ليروض هذا الميل الفطري، فلن يخرج ميل شيطاني بسبب عدم غض الأبصار، وبين أن ذلك هو العمل الذي يؤدي إلى ﴿ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ [النور: 30]، وقال: ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ﴾ [النور: 31]...، فروّض رب العزة الأمر الفطري بغض الأبصار، بنهي النساء عن إبداء الزينة، وعن الخضوع بالقول، وأمر الرجال ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾ [الأحزاب: 53]، وكل ذلك حتى يبقى الرجل مقصور البصر على امرأته ومحارمه.

 

وتبقى المرأة كذلك، فيبقى المَيل، لا يُخلق لك ميلاً طفيلياً يؤثر في بناء الأسرة وتكوينها، ثم جاء ذلك الشرع بتحديد مراحل ثلاث لبناء البيت: المرحلة الأولى الخطبة، الثانية العقد، والثالثة: البناء (الدخول).

 

أما مرحلة الخطبة فإن الضابط الشرعي فيها أنه يجوز للرجل أن يخطب المرأة التي ليست محرماً له، ولا متزوجة بغيره، ولا معتدة من غيره، ولا مخطوبة لغيره. لم يستثن من ذلك كله إلا المعتدة عدة الوفاة، تُخطب سراً وتُخطب تعريضاً لا تصريحاً.

 

هذه المسألة لها حكمة أخرى، ولكن هذا هو شرع الله رب العالمين، فدائرة الأجانب من النساء الأجنبيات العمل فيها واسع وكبير، ودائرة المحارم ضيقة وتأتي المناهج المخالفة تريد أن تضيق دائرة المحارم أكثر مما هي ضيقة شرعاً، ثم يحتاجون للمرأة مساعد من الرجال؛ فيبتدعون من عندهم، فيقولون: هذا مثل أخيها من أبيها إذا وجدها عارية يغطيها.

 

وأبواب المحرمية في الشرع ثلاثة: الولادة، والمصاهرة، والرضاع. في كل باب من هذه الأبواب يحرم سبع، وهذا شرع الله رب العالمين.

 

في الولادة تحرم الأم، وإن علت، والبنت وإن نزلت، والأخت وابنتها، وبنت الأخ، والعمة، والخالة، هذه محارم الولادة. ومحارم المصاهرة على التأبيد أربعة: أم الزوجة، وبنت الزوجة، وزوجة الأب، وزوجة الابن.

 

ومؤقتة ثلاثة، يمكن أن يعدها بعض أهل العلم خمسة: الجميع بين المرأة وأختها، وبين البنت وعمتها، وبين البنت وخالتها.

 

ويقسمونها إلى خمس لأن الخالة إن كانت متزوَّجاً بها فتصبح الأخرى بنت أختها، والعمة إن كانت متزوَّجاً بها تصبح الأخرى بنت أخيها، أي إما أن تكون أختاً أو خالة أو عمة، أو بنت أخ، أو بنت أخت؛ فهذه تسمى خمساً ولكن تجمع في ثلاث: الجمع بين الأختين، وبين البنت وعمتها، وبين البنت وخالتها.

 

الباب الثالث: وهو الباب الهام جداً الذي تريد المناهج المخالفة منا أن ننحرف عنه، وهو باب الرضاعة، وفي الحديث: (يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة) أو (ما يحرم من النسب).

 

يعني: سبع: يعني: الأم من الرضاع، والبنت من الرضاع، والأخت من الرضاع وبنت الأخت من الرضاع، وبنت الأخ من الرضاع، والعمة من الرضاع، والخالة من الرضاع.

 

فتنبه إلى أن رب العزة الذي حرم بالنطفة، حرم بخمس رضعات معلومات، الذي حرم بالنطفة حرم بخمس رضعات، فلا تتعجب، وقد يتصور أن يكون للرجل عدد من الزوجات ترضع كل واحدة منهن رضعات أقل من الخمس، لكن يصبح مجموع لبن الزوج الذي رضع منه يبلغ خمس أو يزيد، فيصبح هو أب من الرضاع، ولو لم ينطبق على كل واحدة من نسائه أنها أم من الرضاع.

 

دائرة الرضاع توسيع للمحرمية حتى إذا احتاجات المرأة إلى رجل يسافر معها ويكون محرماً لها، وجدته.

 

من العجب أن تجد الناس تأتي إلى ذلك المناب وتقول لا تُرضعيه حرام.

 

حرام؟ اللبن طاهر، فرب العزة سبحانه وتعالى أذن في الاسترضاع: ﴿ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ﴾ [الطلاق: 6] فأذن في الرضاع، وجعل هذا باباً من أبواب المرحمية، يصبح لي أبناء من الرضاع لم ألدهم، يصبح لي إخوة من الرضاع، يصبح لي أعمام وأخوال من الرضاع، وحديث البخاري الذي جاء فيه: (يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة) تقوم عائشة رضي الله عنها: (سمعت صوت رجل في بيت حفصة، فقلت يا رسول الله رجل في بيتك) فقال - صلى الله عليه وسلم -: (أراه فلاناً عم حفصة من الرضاع) قالت: (أو لو كان فلان حي أكان يدخل عليها) قال: (نعم، يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة).

 

يعني كأن عائشة كانت تتمنى أن لو كان عمها من الرضاع حياً.

 

توسيع دائرة المحارم مقصد من المقاصد التي وضعها الشرع، هذا هو منهج الإسلام، والمناهج المخالفة تبيح للرجل أن يسير مع المرأة، أو أن يتخلي بها، أو أن يُسافر بها، بدعوى أنه صديق الأسرة، أو أنه كذا أو كذا. ويقع من ذلك من الشر ما يقع، لذلك كان لزوم هذا الشرع فيه الضمان الأكيد للبعد عن تلك المفاسد المحققة.


 
 

. . 87 . 0
إضافه رد جديد
التعليقات 0