لماذا ينزل الله تعالى الماء الثجاج قبل يوم الفصل؟

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

 

لماذا ينزل الله تعالى الماء الثجاج قبل يوم الفصل؟

 

في قوله - تعالى -: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ﴾ [النبأ: 14] تصويرٌ إلى مخازن الرزق في السماء؛ حيث تحمل المُعصِرات ماءها في نفسها بلا مخازن ولا بِرَك ولا حياض، لكنها أشبه بالدُّخَان، هذه المعصرات يرسلُ عليها الله - عز وجل - الرياح، فتحملها إلى بلاد شاسعة وأراضٍ نائية وبلاد بعيدة؛ يقول الله - عز وجل -: ﴿ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ ﴾ [الروم: 48].

 

تبين صورة الغيوم وكأنها تنعصر ليخرج منها الماء غزيرًا ثجَّاجًا، ولذلك فإن القرآن الكريم وصف لنا هذه الغيوم وسمَّاها بالمعصرات، ويؤكد العلماء أن أي غيمة تشبه الخزَّان الضخم والثقيل والمليء بالماء، وكلما أفرغ شيئًا من حمولته قلَّ حجمه وانكمش على نفسه، وبعبارة أخرى يمكن القول: إن القرآن وصف لنا ظاهرة المطر بدقة علمية رائعة في هذه الآية الكريمة، فماذا يريد المولى أن يخبرنا من ذلك؟

 

يقول الإمام البقاعي: "ولمَّا ذكر ما يمحق الرطوبة بحرارته، أتبعه ما يطفئ الحرارة برطوبته وبرودته، فينشأ عنه المأكل والمشرب التي بها تمام الحياة، ويكون تولدها من الظرف بالمهاد والسقف".

 

إذًا؛ يخبرنا المولى - سبحانه - طرفًا من الحقيقة الكونية المتمثلة في دورة المياه على هذه الأرض، ولقد أثبت العلم أن نسبة الماء على الأرض تكاد تكون ثابتة بسبب المطر، لذا يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ما من عامٍ أمطر من عام، ولكن الله يصرفه حيث يشاء))؛  أي إن المولى - سبحانه - يوزعه كيف يشاء، فكانت السُّنة الكونية أن حفِظ الله - تعالى - النسبة بين المياه العذبة والمياه المالحة على هذه الأرض؛ لأجل الحفاظ على نظام الحياة عليها.

 

يقول الدكتور شاهر جمال آغا: "إن تغيرًا ملموسًا لمقدار المياه العذبة سيؤثر سلبًا على كل عناصر الغلاف الأرضي".

 

والماء عندما ينزل من السماء يكون طهورًا، ثم يمتزج بالمعادن والأملاح في الأرض ويصبح فراتًا، والقرآن يستخدم كلمة (طَهورًا) مع الماء النازل من السماء؛ لأنه ماء نقي، وهو ما يسمِّيه العلماء بالماء المقطَّر ويعدُّونه مادة مطهِّرة، بينما كلمة (فُراتًا) لا يستخدمها الله - تعالى - مع ماء السماء أبدًا، بل مع ماء الأرض الذي نشربه؛ لأن ماء الأنهار ليس نقيًّا مائة بالمائة، بل هنالك بعض الأملاح والمعادن المنحلَّة فيه، والتي تعطيه طعمًا مستساغًا، وهكذا يكون الماء النازل من المعصرات مقطرًا بكيفية تجعله نقيًّا طاهرًا مطهِّرًا، فماذا لو نزل هذا الماء غيرَ مقطر ونزل جملة واحدة؟ لا شك أن الدمار الذي سوف يخلّفه يستعصي تصوُّره على أحد، فمَن الذي قطره وأنزله ثجَّاجًا؟!

 

وفي قوله - تعالى -: ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ﴾ [النبأ: 15] إشارةٌ إلى أهمية الزراعة في حياة الناس وطرق الاستزراع، ولا شك أن الزراعة تحتاج إلى المطر، إما بطريق مباشر كالزراعات التي تعتمد على مياه الأمطار، أو بطريق غير مباشر كالزراعات التي تعتمد على السقي بماء الأنهار أو الآبار، وكلاهما نابع من الأمطار المتهاطلة التي تنبع منها الأنهار كما هو معروف، بل إن الزراعة التي تعتمد على الأمطار بشكل مباشر - والتي تسمى بالزراعة المطرية - تشكِّل في الوطن العربي نحو 82 % من جملة المساحات الموسمية المزروعة، وعلى مستوى العالم، فإن 83 % من الأراضي الزراعية تتبعُ نظام الزراعة المطرية، ويشكل إنتاجها 60 % من الإنتاج العالمي للغذاء، وفي المناطق المدارية التي تتصف بندرة المياه - كبلاد الساحل (الإفريقي) - تمارس الزراعة المطرية على أكثر من 95 % من أراضيها المنزرعة،  ومن ثَمَّ كان المطر هو أساسَ الريِّ والسقي، ولولاه لأصاب الناسَ قحطٌ، فكانت الحكمة ظاهرة في أن جعل الله - تعالى - المطر سببًا في إخراج الحَب والنبات؛ ليظل تعلق قلب المؤمن بالله - تعالى - قائمًا لا ينفك عنه أبدًا، فعن أنسٍ "أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبدالمطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيُسقَون".

 

وتجدر ملاحظة أن الآيات التي تخص علم التغذية جاء فيها لفظ (الحَب)، فقد اختار الله - سبحانه وتعالى - الحَب كرمز للتغذية، وهذه الرمزية في القرآن إن كانت تعني شيئًا، فإنها تعني أن أصل التغذية بالنسبة للبشر هو الحَب والزرع، وأعني بذلك الحبوب الثلاث: القمح، والشعير، والذرة، وربما تضاف إليه بعض الأنواع التي تصنَّف مع الحبوب النشوية، لكنها غير معممة، أو قد توجد في مناطق محدودة، فالنباتات التي تعتمد على المطر بصفة أساسية، تتَّسِم بأنها قوت يمكن أن يدّخر، كزراعة الذرة الرفيعة وهي منتشرة في غرب السودان، وتسمى بزراعة المؤمنين المتوكِّلين، وهناك العديد من أنواع الحبوب؛ أشهرها: القمح، والذرة، والأرز، والشعير، والشوفان، وغيرها كثير، وفي بعض الدول النامية تعد الحبوب كالأرز والذرة عنصرًا أساسيًّا يغلب على طعام الفرد، بينما في الدول المتطوِّرة تدخل الحبوب ضمن عناصر الطعام اليومية، إلا أنها لا تعد عنصرًا أساسيًّا دومًا، بالإضافة إلى كونها طعامًا أساسيًّا للإنسان تستخدم الحبوب كعلف للحيوانات الداجنة.

 

وفي قوله - تعالى -: ﴿ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ﴾ [النبأ: 16] كنايةٌ عن زراعة الأشجار الملتفّة؛ كشجر الزيتون، واللوز، والتين، والموز، وكذلك النخيل، وهنا يرسم القرآن صورة المزارع والجنان المرتفعة الأغصان الملتفَّة حول محاصيل الحَب والنبات؛ إذ تتكون هذه الجنان من النخيل والأشجار الملتفة كما في قوله - تعالى -: ﴿ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ [المؤمنون: 19]، وقال - سبحانه -: ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ ﴾ [يس: 34]؛ ذلك أن زراعة النخيل حول الزروع والمحاصيل تعطي منظرًا جميلاً، كما أن التفاف الأشجار بعضُه حول بعض يقوم بوظيفة هامة للزراعة؛ إذ يقوم بصد الريح وبخاصة النخيل عن طريق أوراقه الريشية المركَّبة من دون أن تتمزَّق.

 

وقبل أن تنتقل السورة نقلة بعيدة إلى الدار الآخرة للإجابة على تساؤل الناس عن النبأ العظيم، يبدو للعيان أنها أجابت عن هذا التساؤل بأسلوب شحذ الذهن ولفت الانتباه، قبل أن تقطع بإجابة تصيب عصب السؤال؛ إذ حكايتها عن الأرض، والجبال، والخلق، والنوم، والليل، والنهار، والسماء، والشمس، والسحاب، والمطر، والنبات، والشجر، كل ذلك هو حكاية عن عناصر الكون الأساسية التي لا تخلو منها الحياة الدنيا، وفي ذلك تذكير بأصل نشأة هذا الكون قبل الانتقال إلى الحديث عن دار الآخرة؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((خلق الله - عز وجل - التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم - عليه السلام - بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل)).

 

إذًا؛ لا بد قبل الانتقال إلى عالم الآخرة، أن يفصل بين الدنيا التي هي حياة الاختبار والآخرة التي هي حياة الجزاء بيوم القيامة الذي هو يوم الحساب، ومن ثَمَّ فإن الآيات التي تَلَت هذه المشاهد الرائعة الدالة على خلق الله - تعالى - وصنعه تحكي طرفًا يسيرًا عن هذا اليوم الذي تسميه بيوم الفصل، ثم تشرع في الحديث عن الدار الآخرة مقسمة إياها إلى دارين: دار للطاغين، ودار للمتقين، ثم تعود السورة مرَّة أخرى للحديث عن يوم القيامة فتختتم السورة بمشاهد الرهبة من هذا اليوم، ومشهد حسرة الكافر على ما فرَّط من عمل لأجل هذا اليوم، وبذلك تكون السورة قد تحدثت عن نبأ يوم القيامة في أولها، حين نقلت لنا تساؤل الكفار بشأنه، وفي وسطها عندما سمَّته بيوم الفصل الذي يفصل الدار الدنيا عن الدار الآخرة، وفي آخرها لتقرَّ هذا المشهد وتقرّبه من الصدور وتسميه عندئذٍ بيوم الحق الذي لا مرية فيه.


 
 
 

. . 66 . 0
إضافه رد جديد
التعليقات 0