الإسراء بين المرائي والجانب الأخلاقي

 

 

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

الإسْرَاءُ بينَ المَرَائِي والجانبِ الأخلاقيِّ

 

للإسراء وأحداثه الكِبَار مكانة خاصة في نَفْسِ كل مسلم، وعندما يَهِلُّ شهر رجب تشرئب النفوس لهذا الحدث الضخم الذي غَيَّرَ مسيرةَ الحياة الإسلامية، وكشف عن جانب مهم في دنيا الناس، وهو الجانب الأخلاقي، حيث أرسى الإسراءُ معالمَ المجتمع الفاضل الذي لابد له أن يحذر أخلاقياتٍ تقضُّ من تماسكه، وتسعى في هدمه، فبصَّر الإسلام بتلك المرائي كُلَّ إنسان في المجتمع الإسلامي، ووضع يده على ركائز قيام ذلك المجتمع، وأسرار بقائه، وأسباب فنائه، ونتجول في بعض هذه المرائي التي تتعلق بالجانب الأخلاقي في حياة الأمم والشعوب، فجانب الأمانة وحفظها، ووجوب مراعاتها، والسهر عليها- جانب مهم في أخلاقيات المجتمعات، فنجد تلك المرئية التي يُرَى فيها رجلٌ يحمل حزمة من حطبٍ كبيرة، لا يستطيع حملَها ثم هو يزيد عليها، فلما استفسر الرسول الكريم من جبريل - عليه السلام - عنها أجاب: (هو الرجل من أمتك، تكون عنده أمانات الناس، لا يقدر على أدائها، ويريد أن يتحمل عليها).

 

سلوك نراه كثيرًا، ويتكرر مِرَارًا في كثير من المجتمعات الإنسانية والإسلامية، وهنا يلزمنا أن نتعلم منه ألا نقترب مِنْ دَيْنٍ إلا إذا كنا متأكدين مِنْ سداده، ويستوي عندنا وقتُ التحمل ووقتُ الأداء، وقديما قالوا: "الذي يأخذ ويعطي يصير المالُ مَالَهُ"، أما أولئك الذين يقترضون، ويقترضون، ثم يزيدون، ويزيدون - فهم أناسٌ لا يستحقون أن يُقْرَضُوا؛ لأنهم لا يؤدُّون الأماناتِ إلى أهلها، ولابد أن يستشعر كل منهم أن من صفات المنافق: "أنه إذا اؤتمن خان"، وأنه هنا لم يلتزم بقول الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم-: "أَدِّ الأمانةَ إلى مَنْ ائتمنك ولا تَخُنْ مَنْ خانك"، وأنه لم يقم بتعاليم الله - سبحانه - الواردة في قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 58]، وقوله في وصف أهل الإيمان والتقى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾ [المؤمنون: 8].

 

إن أداء الأمانات كفيل باستقرار المجتمع، وثبات أركانه، وتعاوُن أبنائه، وثمة مرئية أخرى تتعلق بطهارة المجتمع، وعفافه، وبُعْده عن ارتكاب الفواحش، وتحذِّر من شريحة لا تتخذ العفة سبيلا لها، ولا حفظ الحرمات طريقا وسلوكا، حيث رأي النبي - صلى الله عليه وسلم - أناسا بين أيديهم لحم نَضِيجٌ في قدور، ولحم نيِّئ في قدور، فجعلوا يأكلون من ذلك النَّيِّئ الخبيث، ويَدَعُون الطيب النضيج، فلما استفهم الرسولُ جبريلَ عن ذلك فقال له: "هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب، فيأتي امرأة خبيثة، فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا، فتأتي رجلا خبيثا، فتبيت عنده حتى تصبح".

 

مرئية مخيفة تتعلق بالمَساس بالحرمات، حيث يتساهل بعض الناس في التعامل مع النساء، ويقترب من هذا الهوى الخطير، فيفسح الباب للعلاقات الخاصة الآثمة حيث التزاور المترخص، والاختلاء الفاضح، والخروج السافر، والضحك والتصافح الساخن، والكلام المكشوف الذي يتطور إلى علاقات آثمة، يكون منها اللقاءاتُ المحرَّمة، والأولاد غير الشرعيين الذين تَشْقَى بهم المجتمعات، وتعيش أسوأ أيامها ولحظاتها، والله - تعالى - يحذرنا وينهانا بقوله: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 32]، "﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ ﴾ (الزنا) ﴿ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ [الأنعام: 151]، وقال عن الزنا والعلاقات المحرمة: ﴿ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النور: 3]، ونحن في ديننا الكريم لا نعرف لقاء رجل بامرأة إلا في زواج حلال، ومن خلال علاقة شرعية صحيحة؛ ولذلك لا يُسْمَح بأي حال من الأحوال ولا بأي شكل من الأشكال أن يلتقي رجل بامرأة لا تحل له، لقاءَ خَلوة، ولو كان يعلِّمها القرآنَ الكريمَ؛ لأن النفوس ضعيفة، والقلوب تتغير، والشيطان يتدخل حتى يقع المحظور، والمحرم، وتأتي تلك المرئية لتنبِّه الناسَ على خطورة الاختلاط، وحُرْمَة الاختلاء الذي ينتهي بعلاقات آثمة، مع أن الزواج حلال حلالٌ، وطَيِّبٌ طَيِّبٌ؛ ولذلك أقام الإسلام حد الزنا والتعذيب، أو الرجم للمحصَن حفاظا على قوة المجتمع، وحمايته، وصونا لأبنائه، وبناته، ورجاله، ونسائه.

 

وهناك مرئية ثالثة تتعلق بحفظ حق الإنسان من الاغتياب، والتقوُّل بغير حق، رأى النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أقواما يقطع اللحم من جنوبهم فيلقمونه، فيقال لهم: كُلْ كما كنت تأكل في لحم أخيك"، فلما استفسر من جبريل - عليه السلام - عن طبيعة هؤلاء وما ترمز إليه تلك المرئية فأجاب بأن هؤلاء هُمُ الهَمَّازون من أمَّتك، اللَّمَّازون".

 

الإنسان ينبغي ألا يطلق لسانه في عِرْضِ أخيه، وخصوصًا إذا احتدمت الخصومة بينهما، فلا بد من أن يحترم كلٌّ كلاًّ في حضوره، وفي غيبته، وليتصور عند اغتيابه أن أخاه الذي يغتابه يقف خلف ستار، وأنه يسمعه، ويراه، حتى يعود إلى رشده، وعدم الاغتياب حتى لا يقع تحت قوله - تعالى -: ﴿ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴾ [الهمزة: 1]، وحتى يحقق وصف أهل الإيمان الذين قيل فيهم: ﴿ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 16]، وحتى لا نُوصف بوصف أهل النفاق: "وإذا خاصم فجر" إن حفظ اللسان مِنْ الإيمان، وإن الاغتياب دليل الارتياب، وإن الرجل ليعرف قَدْرَهُ بقدر عِفَّة لسانه، وطهارة لفظه، قال - تعالى-: "ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار"، وقال في شأن الكلمة الطيبة ذات الأثر الكبير، والعاقبة الحسنة: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾ [إبراهيم: 24، 25]

 

نعم، كم أسعدتْ كلمةٌ أُسَرًا، وكم هَدَمَتْ كلمةٌ أممًا، وكم أصلحت عبارة، وكم أفسدت أخرى، لا بد من عودة إلى قيم تلك المرائي، والتأمل فيها، وجعلها مبادئ أخلاقية، وركائز مجتمعه، فسعى لفهمها وتدبرها، والعمل وفق متطلباتها ومقتضياتها، حتى ينصلح حال المجتمع، ويكون مجتمعا طاهرا مطهرا، يتمتع بطهر الملائكة، وبنقاء الملأ الأعلى، يسألونك متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبا، والحمد لله رب العالمين، وكل عام وجميع المسلمين بخير.

 
 
عام . Moderator Eslam . 16/06/2013 . 32 . 0
إضافه رد جديد
مجموع التعليقات (0)
مواضيع أخرى