شرح بعض احاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين

 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شرح هذا الحديث : ( إني قد أمرت أن أستغفر لأهل البقيع فانطلق معي ، فانطلقت معه ، فلما وقف بين أظهرهم قال : السلام عليكم يا أهل المقابر ، ليهنئ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه ، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، يتبع آخرها أولها ، الآخرة شر من الأولى ) . ما معنى: ليهنئ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه .



الجواب :
الحمد لله
روى الإمام أحمد (15567) والدارمي (78) والطبراني في "المعجم الكبير" (871) والحاكم (4383) عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَقَالَ : ( يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ فَانْطَلِقْ مَعِي ) ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ قَالَ : ( السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ ؛ لِيَهْنِ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ ، مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمْ اللَّهُ مِنْهُ ، أَقْبَلَت الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ أَوَّلُهَا آخِرَهَا الْآخِرَةُ شَرٌّ مِنْ الْأُولَى ) قَالَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ : ( يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةَ ، وَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَالْجَنَّةِ ) ، قَالَ : قُلْتُ بِأَبِي وَأُمِّي ، فَخُذْ مَفَاتِيحَ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةَ ، قَالَ : ( لَا وَاللَّهِ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ ، لَقَدْ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَالْجَنَّةَ ) ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَبُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي قَضَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ حِينَ أَصْبَحَ ".
وفي إسناد الحديث ضعف . ينظر "السلسلة الضعيفة" للشيخ الألباني (6447) ، وينظر أيضا : " مسند أحمد " ، ط الرسالة (25/376-378) .
وقوله ( لِيَهْنِ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ ) يعني : هنيئا لكم ما أنتم فيه من النعيم ومن كرامة الله ، في وقت توافدت على الناس فيه الفتن كقطع الليل المظلم ، فلو تعلمون ما نجاكم الله منه من تلك الفتن ، مع ما أصبحتم فيه من نعمة الله : لعلمتم عظيم فضل الله عليكم ، واصطفاءه إياكم ؛ حيث أصبحتم بفضله في هذا النعيم ، في حين أصبح الناس والفتن تقبل عليهم كقطع الليل المظلم ، يتبع أولها آخرها .
وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب رضي الله عنه : ( لِيَهْنَ لكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ ) رواه مسلم (810) وأبو داود .
قال العيني رحمه الله :
" ليَهْنِ ": من هَنُؤ الطعام يَهنؤ هَناءةً، أي: صَار هنيئًا " انتهى من "شرح أبي داود" (5 /376) .
والله تعالى أعلم .


موقع الإسلام سؤال وجواب
معنى قهر الرجال في الدعاء : ( اللهم إني أعوذ بك من الهم ، والحزن ، والعجز ، والكسل والجبن ، والبخل ، وغلبة الدين ، وقهر الرجال ) ؟
 

الجواب :
الحمد لله
وردت لفظة ( قهر الرجال ) في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد ، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة ، فقال : ( يَا أَبَا أُمَامَةَ مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ ) ، قال : هموم لزمتني وديون يا رسول الله ، قال : ( أَفَلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا ، إِذَا أَنْتَ قُلْتَهُ : أَذْهَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ ؟ ) ، قال قلت : بلى يا رسول الله ، قال : ( قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ ) ، قال ففعلت ذلك ، فأذهب الله عز وجل همي وقضى عني ديني " .
رواه أبو داود (1555)، وضعفه الشيخ الألباني رحمه الله في "صحيح وضعيف سنن أبي داود".

وقد فُسِّر لفظ القهر الوارد في هذا الحديث ، بما ثبت في صحيح البخاري (6369) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ، والعجز والكسل ، والجبن والبخل ، وضلع الدين وغلبة الرجال .

فالقهر سببه الغلبة ، فالرجل إذا شعر بغلبة الرجال له ، وتسلطهم عليه ، بحق ، أو بغير حق : تسبب ذلك في حصول الكمد والقهر في نفسه .

قال الشيخ محمد شمس الحق العظيم آبادي رحمه الله : " ( من غلبة الدين ) : أي كثرته وثقله ، ( وقهر الرجال ) : أي غلبتهم ... " انتهى من " عون المعبود شرح سنن أبي داود " (4/289) .

وقال رحمه الله – أيضا - : " ( وغلبة الرجال ) أي : قهرهم وشدة تسلطهم عليه ، والمراد بالرجال الظَّلَمة ، أو الدائنون ، واستعاذ عليه الصلاة والسلام من أن يغلبه الرجال ؛ لما في ذلك من الوهن في النفس " انتهى من " عون المعبود شرح سنن أبي داود " (4/281) .

والله أعلم .


موقع الإسلام سؤال وجواب
 

معنى الحديث : ( اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم ، فإذا اختلفتم فقوموا عنه ) . فأنا أحاول أن أداوم على ختم القرآن كل أسبوع حفظا ، أو من المصحف ، أو في الصلاة ، وقد يتراكم علي الورد فأقرأ بسرعة لكي أتدارك ما فاتني ؛ لأني عندما أتأخر في الورد أحس بنقص في الإيمان ، وقد أحس أحيانا بنفور .
فهل ما أفعله صحيح ؟



الجواب :
الحمد لله
بداية هنيئا لك هذه الهمة العالية ، وهذا الحرص على تلاوة كتاب الله تعالى ، فتلك من نعم الله تعالى على الخاصة من عباده ، يغبطهم عليها الناس ، كما قال عليه الصلاة والسلام : ( لاَ حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ القُرْآنَ ، فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ ، وَآنَاءَ النَّهَارِ ، فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ ، فَقَالَ : لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلاَنٌ ، فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُهْلِكُهُ فِي الحَقِّ ، فَقَالَ رَجُلٌ : لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلاَنٌ ، فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ ) رواه البخاري (5026)
ويقول الله عز وجل : ( إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ . لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ ) فاطر/29-30.
وأخذك نفسك بالالتزام بورد معين لا تنقطع عنه مهما كانت الظروف هو من خير الأسباب المعينة على العبادة ، وعلى التعلق بكلام الله عز وجل ، وقد كان الصالحون من قبل يحرصون على أورادهم اليومية ، لا يفارقونها مهما طرأت الشواغل ، ولو أدى ذلك إلى التعجل شيئا ما في القراءة والتلاوة لتدارك ما فات ، فالتلاوة من أفضل العبادات ، سواء كانت بتأن وتدبر ، أم كانت باستعجال وتقليب نظر ، فعن ابن شوذب قال : " كان عروة يقرأ ربع القرآن في كل يوم نظرا في المصحف ، ويقوم به بالليل ، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله ، ثم عاوده من الليلة المقبلة " رواه البيهقي في " شعب الإيمان " (3/513) .
لكن لا شك أن مزيد الأجر متعلق بمزيد التدبر والتفكر ، إلا أنه يمكن الاكتفاء بالتلاوة مع قدر من الاستعجال في بعض الأيام لتحقيق مصلحة الالتزام بالعبادة والمواظبة على الورد ، كما قال الإمام النووي رحمه الله : " من كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر ما يحصل له كمال فهم ما يقرؤه ، وكذا من كان مشغولا بنشر العلم ، أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة ، فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له ، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة " انتهى من " التبيان في آداب حملة القرآن " (ص/61)
أما الحديث الشريف الذي أشكل عليك ، وهو حديث جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( اقْرَءُوا القُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ ) رواه البخاري (5060) ومسلم (2667) .
فلا تعلق له بما سبق ، وإنما يتحدث عن اختلاف قلوب الناس وتنازعهم وتفرقهم بسبب تناقض أفهامهم للثوابت من أركان الدين وضرورياته ، أو بسبب جهلهم بالقراءات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما كانت مصلحة الوحدة والتآلف أعظم من مصلحة التلاوة المجردة كان الأولى تقديم المصلحة العليا على ما دونها من المستحبات .
قال ابن الجوزي رحمه الله :
" كان اختلاف الصحابة يقع في القراءات واللغات ، فأمروا بالقيام عند الاختلاف لئلا يجحد أحدهم ما يقرأ الآخر فيكون جاحدا لما أنزله الله عز وجل " .
انتهى من "كشف المشكل من حديث الصحيحين (2/47)" .
وقال الإمام النووي رحمه الله :
" الأمر بالقيام عند الاختلاف في القرآن محمول عند العلماء على اختلاف لا يجوز ، أو اختلاف يوقع فيما لا يجوز ، كاختلاف في نفس القرآن ، أو في معنى منه لا يسوغ فيه الاجتهاد ، أو اختلاف يوقع في شك أو شبهة أو فتنة وخصومة أو شجار ونحو ذلك .
وأما الاختلاف في استنباط فروع الدين منه ، ومناظرة أهل العلم في ذلك على سبيل الفائدة وإظهار الحق ، واختلافهم في ذلك ، فليس منهيا عنه ، بل هو مأمور به ، وفضيلة ظاهرة ، وقد أجمع المسلمون على هذا من عهد الصحابة إلى الآن " انتهى من " شرح مسلم " (16/218-219) .
وقال ابن بطال رحمه الله في شرح هذا الحديث :
" فيه الحض على الألفة والتحذير من الفرقة في الدين ، فكأنه قال : اقرءوا القرآن والزموا الائتلاف على ما دل عليه وقاد إليه ، فإذا اختلفتم فقوموا عنه ، أي فإذا عرض عارض شبهة توجب المنازعة الداعية إلى الفرقة فقوموا عنه ، أي فاتركوا تلك الشبهة الداعية إلى الفرقة ، وارجعوا إلى المحكم الموجب للألفة ، وقوموا للاختلاف وعما أدى إليه ، وقاد إليه ، لا أنه أمر بترك قراءة القرآن باختلاف القراءات التي أباحها لهم ؛ لأنه قال لابن مسعود والرجل الذي أنكر عليه مخالفته له في القراءة : ( كلاكما محسن ) ، فدل أنه لم ينهه عما جعله فيه محسنًا ، وإنما نهاه عن الاختلاف المؤدي إلى الهلاك بالفرقة في الدين " .
انتهى من " شرح صحيح البخاري " (10/285) .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله :
" قوله ( فإذا اختلفتم ) أي : في فهم معانيه ( فقوموا عنه ) أي : تفرقوا ؛ لئلا يتمادى بكم الاختلاف إلى الشر .
قال عياض : يحتمل أن يكون النهي خاصا بزمنه صلى الله عليه وسلم ؛ لئلا يكون ذلك سببا لنزول ما يسوؤهم ، كما في قوله تعالى : ( لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ).
ويحتمل أن يكون المعنى : اقرءوا والزموا الائتلاف على ما دل عليه وقاد إليه ، فإذا وقع الاختلاف ، أو عرض عارض شبهة يقتضي المنازعة الداعية إلى الافتراق : فاتركوا القراءة ، وتمسكوا بالمحكم الموجب للألفة ، وأعرضوا عن المتشابه المؤدي إلى الفرقة . وهو كقوله صلى الله عليه وسلم : ( فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم ).
ويحتمل أنه ينهى عن القراءة إذا وقع الاختلاف في كيفية الأداء ، بأن يتفرقوا عند الاختلاف ويستمر كل منهم على قراءته ، ومثله ما تقدم عن ابن مسعود لما وقع بينه وبين الصحابيين الآخرين الاختلاف في الأداء فترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( كلكم محسن ) وبهذه النكتة تظهر الحكمة في ذكر حديث ابن مسعود عقيب حديث جندب ".
انتهى من " فتح الباري " (9/101) .
والله أعلم
.

 
 
. . 125 . 0
إضافه رد جديد
مجموع التعليقات (0)