"وطن واحد".. خطوة للقضاء على الفتنة الطائفية

تقارير منذ 4 سنوات و 7 شهور 173

لَطالَما كانت الفتنة الطائفية صداعًا يؤرق المصريين، ويسعى للنيل من وَحدتِهم ورُوحِ التعايش التي اشتهروا بها عبر العصور، حيث استخدمتها الأنظمة المستبدة والإمبريالية المتعاقبة على مصر لضمان الهيمنة والسيطرة، كما ساهمت قوى خارجية في إشعالها بهدف تهديد وحدة الشعب المصري.

وعلى الرغم من توحد المصريين (مسلمين ومسيحيين) خلال ثورة الخامس والعشرين من يناير، إلا أن هناك بعض القوى التي حاولت تأجيج نيران الفتنة الطائفية وتوتير الأوضاع بين الطرفين من حين لآخر بهدف إحداث نوع من الانقسام والتحارب بين أبناء الوطن الواحد.

ولعل تصاعد هذه الأحداث وتنوعها خلال الفترة الأخيرة هو ما دفع "حزب البناء والتنمية" -الذراع السياسي لـ"الجماعة الإسلامية" في مصر- لإطلاق مبادرته: "وطن واحد وعيش مشترك"؛ لحل المشكلات التي يعانيها المسيحيون وطمأنتهم كخطوة على طريق تقوية النسيج الوطني المصري.

مبادرة للحوار

بدايةً، يجب التأكيد على أن هناك بعض المشاكل الفعلية التي يعاني منها المسيحيون في مصر شأنهم في ذلك شأن المسلمين، كما أن هناك بعض المشاكل الأخرى التي يرى المسيحيون أنها ترجع إلى اختلاف اعتقادهم الديني عن الدين الرسمي للدولة "الإسلام"، وهي مشكلات يراها البعض مفتعلة وغير حقيقية، في حين يرى البعض الآخر ضرورة الحوار حولها والاستماع إلى وجهة النظر المسيحية في هذا الشأن باعتبارهم شركاء الوطن.

ولعل هذا هو مضمون المبادرة التي تقدم بها "حزب البناء والتنمية"، والتي نصت على تشكيل لجان للتواصل والحوار مع أبناء الوطن من المسيحيين في الداخل والخارج؛ للوقوف على المشكلات التي يعانون منها، والبحث عن حلول لها، مع تبني مطالبهم المشروعة كمطالب وطنية لا طائفية، سواء في مجلس الشورى الحالي أو مجلس النواب القادم، وهذه مبادرة تعد الأولى من نوعها لحزب إسلامي من أجل الحفاظ على وَحدة الصف المصري في هذه المرحلة الخطيرة التي تمر بها البلاد.

نضج.. ومسئولية

وقد طرح "حزب البناء والتنمية" عدة دوافع لهذه المبادرة، تتمثل في: أن الإسلام يدعو إلى التعاون على البر والتقوى، وأن المسيحية تدعو إلى المحبة والتواصل، وأن أحد مكتسبات ثورة يناير كان التقريب بين جميع طوائف الوطن، كما أن هناك خبرات وتجارب لدى جميع المصريين تدلل على أن التقاطع ليس من مصلحة أحد. وهي أمور يراها المراقبون كفيلة -في حال استيعابها من قبل كافة طوائف المجتمع السياسية والمدنية- بإفشال المخططات الرامية إلى تقسيم الوطن وتشتيته، وبنبذ الفرقة بين مسلميه ومسيحييه.

ولقد أتت هذه المبادرة على مستوى من النضج والمسئولية يجب أن تتحلى به كافة القوى المدنية والأحزاب السياسية المصرية في هذه المرحلة التي تتطلب من الجميع التكاتف والمشاركة فيما يجمع ولا يفرق ونبذ جميع أشكال التعصب؛ وذلك لتفويت الفرصة على أعداء الوطن الذين يتربصون به ليل نهار ويتخذون من التنوع الديني في المجتمع المصري وسيلة للنيل منه.

تأجيج الصراع؟!

لقد سعت بعض القوى الخارجية -عبر أذرعها في الداخل- خلال الفترة الماضية في تأجيج الصراع بين المسلمين والمسيحيين في مصر عن طريق الشحن الطائفي، مستغلين انعدام الوعي المجتمعي لدى البعض من الطرفين، لإظهار أن هناك فتنة طائفية، بما يسمح لهذه القوى وغيرها ليس فقط بالتدخل في الشأن المصري ولكن أيضًا بالعمل على إجهاض الحلم المصري في النهوض والتقدم، وإفشال ليس فقط الثورة المصرية ولكن أيضًا نظام الحكم الإسلامي الذي مثل الثمرة الرئيسية لهذه الثورة.

وفي هذا الإطار، فإنه لا غرابة أن يعلن "الجنرال عاموس يادلين" الرئيس السابق للاستخبارات الحربية الإسرائيلية دعم كيان الاحتلال الإسرائيلي لأحداث الفتنة الطائفية في مصر، مؤكدًا أن المخابرات الإسرائيلية كانت المحرك الأساسي لجميع أعمال الفتنة وبؤر التوتر التي وقعت في مصر خاصة بعد ثورة 25 يناير، لافتًا إلى أن الكيان الصهيوني أنفق حتى الآن 11 مليار دولار على ملف الفتنة الطائفية في مصر.

فَرِّقْ تَسُدْ

وبناءً على ذلك، فإنه يجب على القائمين على مبادرة "وطن واحد وعيش مشترك" أن يدركوا جيدًا أن هناك من سيسعى بكافة الطرق لإفشال هذه المبادرة وغيرها، وذلك من أجل إضعاف مصر الثورة عبر سياسة "فرق تسد" والتي طالما استخدمها الغرب وعملاؤه في تشتيت جهود أية نهضة وليدة، خاصة إذا كانت هذه النهضة قادمة من بلاد الإسلام.

ولذا، فإنه يجب أن تركز هذه المبادرة وغيرها على المشترك بين أبناء الشعب المصري، من خلال: التقريب بين وجهات النظر، ونبذ رُوح الخلاف والتعصب؛ من أجل مصلحة هذا الوطن، وإفشال كل محاولات بث الفرقة بين أبناء الشعب الواحد الذين طالما قدموا النموذج الأروع في المودة والتعايش السلمي.

نموذج يُحتذَى

وفي النهاية، فإنه يمكن القول -كما يؤكد المحللون- بأن أمن مصر القومي يبدأ بمحاربة الفتنة حتى تُحبط مؤامرة التقسيم؛ لأن الأمن القومي يبدأ بالتماسك الاجتماعي والتوافق المجتمعي، وفي هذا الإطار، فإن أخطر ما يصيب العمود الفقري لهذا الأمن هو زرع الفتنة على أساس ديني، وهو ما يجب التصدي له، ليس بالعنف أو خلق التوترات، ولكن من خلال الحوار الهادف والبنَّاء.

يبقى التأكيد على أن المبادرة التي أطلقها "حزب البناء والتنمية" يجب أن تكون نموذجًا يُحتذى من باقي القوى المدنية والأحزاب السياسية في هذه الفترة الحرجة والحساسة من تاريخ مصر، خاصة وأنها تختلف عن مثيلاتها -مثل: مبادرة "بيت العائلة"، أو تلك اللجنة التي أوصت لجنة الأمن القومي بمجلس الشورى بتشكيلها مؤخرًا- في أنها لا تأخذ الطابع الرسمي الذي دائمًا ما يدفع القائمين على هذه المبادرات واللجان إلى إطلاق شعارات برَّاقة دون أن يضعوا حلولاً حقيقية وجِذرية لهذه المشاكل. وفضلاً عن ذلك، فإن "حزب البناء والتنمية" يمكنه الاستفادة من التواجد الكبير لـ"الجماعة الإسلامية" في قرى ومدن الصعيد؛ حيث يحظى أعضاؤها باحترام ومكانة متميزة بين جميع طوائف المجتمع، وخاصة بين المسيحيين الذين يكثر تواجدهم في مناطق جنوب مصر، وذلك من أجل إعادة نشر ثقافة التعايش التي طالما اشتهر بها أبناء الشعب المصري، بعيدًا عن التعصب الديني؛ من أجل وأد أية مساعٍ داخلية أو خارجية لإشعال نيران الفتنة الطائفية.

 

التعليقات (0)

كن أول من يعلق على هذا الموضوع.

بإمكانك الدخول بواسطة أسم المستخدم أو بريدك الألكتروني

- أو -