استقالة بابا روما.. نهاية رجل الجمود

متنوعة . Moderator Eslam منذ 5 سنوات و 7 شهور 55 0
استقالة بابا روما.. نهاية رجل الجمود

استقالة بابا روما.. نهاية رجل الجمود

استقالة بابا روما.. نهاية رجل الجمود
بندكت السادس عشر

زلزال في الفاتيكان لكنه قديم، وما استقالة بنديكتوس السادس عشر إلا إحدى توابعه؛ بسبب رجَّاته القوية وهزَّاته العنيفة التي ضربت بأركان حصن الكاثوليكية المنيع ورمز المسيحية الأكبر في الغرب.

 

يقترف كثير من القسس والرهبان والراهبات داخل الأديرة والكنائس وخارجها ممارسات جنسية وشذوذ واعتداءات على الأطفال منذ عهد يوحنا بولس، ويعترف ويفاخر بعض رموز الكنيسة بممارسة اللواط والسحاق، هذا تاريخ ممتد ضارب في القدم والغ في الخزي، والقضية كبيرة ضخمة وأسبابها متعددة ومعروفة، ولم يقدر كاهل بينديكت وحده على تحملها؛ فهل لهذا السبب استقالَ بابا الفاتيكان؟!

هذه نادرة لم تتكرر كثيرًا في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، ولم تحدث منذ ستة قرون.

فكيف يُقدِّم الحَبرُ الأعظم استقالته؟!

وكيف يستقيل بابا روما، وهو نائب المسيح الذي اختاره بنفسه، وخليفة القديس بطرس -بحسب الاعتقاد الكاثوليكي- مما يزعزع إيمان المسيحيين ويفقدهم الثقة في عقائدهم الموروثة؟!

وكيف يمحو بينديكت عارًا بعار سيُلاحقه ليلَ نهار؟!

التقارير تقول: إن حصن المسيحية في روما يواجه تحديات كبرى بشأن انتشار جارف للإسلام في معاقل المسيحية في أوربا، بل إن هناك إقبالاً متزايدًا على اعتناق الإسلام بين القساوسة والرهبان والراهبات، ومنهم قساوسة في داخل الفاتيكان ذاته، وهناك إحصائيات رسمية تؤكد أن أوربا ستصبح قارة ذات أغلبية إسلامية خلال الأربعة عقود القادمة.

 

فهل هذا هو السبب الحقيقي وراء استقالة "نائب المسيح"؟! أم أنه أصابه ما أصابَ بعضَ القوم من انحراف وممارسات لا أخلاقية -في تصور الأسوياء- فاضطروه للاستقالة؟!

أم أنه أصابه ما أصابَ بعضَ القوم الآخرين من إيمان ويقين بالدين الحق، فاضطره آخرون للاستقالة؟! ليعيد بذلك "سيناريو" إقالة أو استقالة البابا سيلستاين الخامس، الذي قيلَ: إنه أسلمَ فاستقالَ من منصبه البابوي بعد خمسة أشهر فقط من توليه المنصب، ثم اعتكف في عزلة اختيارية، ثم لما اكتشفوا أمره سجنوه في إحدى قلاع روما إلى أن مات في ظروف غامضة، وخصص له الشاعر الإيطالي دانتى مكانًا في جهنم في ملحمته "الكوميديا الإلهية"

 

هي أسباب كثيرة ودوافع متشابكة، ولا يقتنع مراقب للأحداث بالمبررات المتهافتة التي ساقها بنديكت في رسالته حول الاستقالة عندما قال:

"لقد فحصتُ ضميري أمام الله، وتوصلت إلى اليقين بأن قواي -بسبب تقدمي في السن- لم تعد مناسبة للقيام بشكل مناسب بالخدمة البطرسية"!

فطبيعة شخصية بنديكت السادس عشر تناقض تمامًا هذا التوجه، ولا تنسجم مع هذا "السيناريو" الذي يتناسب مع شخصية ضعيفة استسلامية، وليس بطبيعة الحال مع شخصية بنديكت المتشددة والمتزمتة والمستعلية والمغرورة.

 

فضائح واعتداءات جنسية، وفساد مالي، وديكتاتورية في الحكم، وعدم قدرة على مواجهة المد الإسلامي الجارف، وعدم إظهار حنكة ومرونة في التعامل مع تطورات العصر ومستجداته وفى التفاعل والتواصل مع العالم الإسلامي مما اضطر الأزهر لقطع العلاقات مع الفاتيكان، بعدما أثبت البابا المستقيل أنه لا يُجيد من فنون الحوار إلا الهجوم الدائم على الإسلام وعلى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

 

بينديكت أصاب حصن المسيحية الأكبر في العالم بالشلل والضعف والجمود؛ بتعاليه، وآرائه المتشددة، وأسلوبه التقليدي، وبراعته في تربية الأعداء والخصوم حتى داخل البيت المسيحي نفسه من الطوائف الأخرى غير الطائفة الكاثوليكية، فهو لم يحتفظ بعلاقات جيدة في العالم كله سوى فقط مع اليهود، لدرجة أن رعاياه سخروا منه، واستخفوا بمواقفه وآرائه من بعض القضايا البديهية التي قد تصيب حياتهم بالشلل والعزلة؛ بسبب الآراء المتحجرة والمواقف المتشددة.

لم يكن الرجل هو الشخصية المناسبة للمرحلة؛ مما أضر بسمعة الكنيسة، وتراجعت المسيحية في عهده أميالاً إلى الخلف، بينما الأشواق تزداد والإحصاءات اليومية ترصد الأعداد المفزعة اليومية لاعتناق الإسلام.

 

إنها نهاية طبيعية -وإن لم تكن متوقعة- لرجل التشدد والإساءة والتطاول والجمود "بينديكت السادس عشر"!

ولقد توقع راسبوتين "جريجوري يافيموفيتش" نهايته وطريقة قتله، وتوقع معها نهاية الإمبراطورية الروسية في بدايات القرن الماضي، وراسبوتين هو راهب اشتهر بالفجور والعهر مع قدراته الخارقة على إغواء النساء وشفاء المرضى باستخدام التنويم المغناطيسي!

وبالفعل حدث ما توقع الراهب الغامض؛ فقد قتله رجال من بلاط الإمبراطور بمكيدة دبرها "فليكس يوسبوف" أحد أعضاء العائلة المالكة عام 1916م، يقول راسبوتين في نبوءته لقيصر روسيا "نيقولا الثاني":

"عندما تقرع الأجراس ثلاث مرات ستعلن مقتلي، فإن كان قاتلي من الشعب، ستحكم روسيا أنت وأولادك لأجيال قادمة، أما إن كان من حاشيتك، فستُقتل أنت وأبناؤك على أيدي الشعب الروسي"!

وراسبوتين، ذلك الراهب الداعر، كان هو عماد القصر، وركن الحكم الإمبراطوري، والمرجع المعتمد الموثوق لدى الإمبراطور "نيقولا" وزوجته "ألكسندرا".

 

وتحققت النبوءة؛ فبعد عشرة أسابيع فقط من مقتل راسبوتين اندلعت الثورة البلشفية، وأطاحت بالحكم القيصري، وأُعدم الإمبراطور وعائلته بأكملها في سيبيريا.

 

لم يجرؤ بينديكت السادس عشر اليوم على محاسبة رهبانه وقساوسته الملوثين؛ للتخلص من العار الذي لاحق الفاتيكان ورموز الديانة المسيحية في العالم، إنما عمد إلى الاعتذار للضحايا وتعويضهم بمليارات الدولارات، وخاف -بالطبع- على إمبراطوريته المترامية وسلطته الزمنية وكرسيه العتيد.

ولم يتجاوب ولم يتفاعل بينديكت مع مجريات الأحداث، ولم يتواصل مع الإسلام ورموزه ومؤسساته باحترام وتعقل. إنما استماتَ في الدفاع عن الديانة التي يجلس على كرسي رياستها، وسار في الطريق الخطأ بإعلانه الحرب على الإسلام، ومؤازرته الرُّوحية والمادية لقوى الشر التي تحلم باقتلاع الإسلام من جذوره بين عشية وضحاها، وبثه لجنوده من المنصِّرين في أرجاء المعمورة، ومباركته لأبواق وأقلام الزيف والتحريف والتشويه والسخرية والطعن والإساءة للإسلام ونبيه!

ظن المسكين أنه بذلك قد غطى على فضائح قساوسته ورهبانه، وعلى إفلاس كنيسته، وانفضاض رعاياه عنه؛ ظن بذلك أنه يعمل على إنقاذ المسيحية، وإبقائها حية لعقود، وربما لقرون قادمة.

ولقد ظل راسبوتين "جريجوري يافيموفيتش " يتعاطى جُرعات من السُّم على فترات؛ لأنه تنبأ بأن يلجأ قاتلوه إلى دس السم له، فإذا تعاطاه على جرعات خفيفة لفترات طويلة اعتاد جسده عليه؛ فلا يؤثر فيه بعد ذلك!

وبالفعل حدث ما توقع ذلك الراهب المثير للجدل، وعمد قاتلوه إلى دس السُّم له في الخمر والحلوى فلم يؤثر فيه؛ لأن جسده كان قد اعتاد عليه، فتناول أحدهم مسدسه وأطلق عليه النار ولكنه لم يمت!

فعمد "يوسبوف" إلى هراوة من حديد، وجعل يضرب بها رأس راسبوتين، وبعد كل هذه المحاولات كانت لا تزال روح راسبوتين في جسده!

وكان لا يزال ينظر بعينيه الزرقاوين إلى وجوه قاتليه، كان يمتلك إرادة غير عادية في البقاء، وكان راغبًا في الحياة حتى آخر لحظة، ولكنهم أخيرًا حملوه وتخلصوا منه نهائيًّا بأن ألقوا بجسده في نهر نيفيا الجليدي.

 

عاند بينديكتوس الحقائق، ولم يستسلم للأمر الواقع، ولم يرضَ بالهزيمة طويلاً، واستمات في إظهار الكنيسة الكاثوليكية ككيان ينبض بالحياة، رغم أنه في داخله كيان يُوشك على الموت والانهيار، واستمر بينكديت السادس عشر في تناول سمومه ونشر أراجيفه لفترة طويلة؛ منذ محاضرته الشهيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أواسط التسعينيات إلى اليوم، ليُظهرَ للعالم أن المسيحية ما تزال حاضرة وبقوة، بدليل أنها تهاجم وتطعن في رسول الإسلام.

 

وظل على عداوته ومحاربته للإسلام وأهله زمنًا طويلاً، فناضل وجادل وكابر وعاند وشوه وحرف وأساء وطعن وسخر!

وإلى متى؟!

وما فائدة ما فعله وما جدواه؟!

كل ما فعله هباء، وكان وبالاً عليه وعلى الفاتيكان وعلى المسيحية في أوربا؛ لأنه كان -في واقع الأمر- يتحرك ولا يتحرك، ويفعل ولا يفعل على الحقيقة؛ فقد ألقى بنفسه في دائرة الجمود والتشدد والعنصرية والاستعلاء والعناد والعزلة والغفلة عن مجريات الواقع ومستجدات الأمور.

أصرَّ هذا المسكين على المقاومة، وكان في حقيقة الأمر يقاوم يائسًا بعد أن ألقى بنفسه في نهر الجليد المتجمد!

ظهر ذلك جليًّا وانعكس على جسده، فكان يتحرك على الأرض ويصافح ويلتفت بطريقة جليدية، فقد أصاب الجمود الجسد بعد أن أصاب الرُّوح.

 
التعليقات (0)

كن أول من يعلق على هذا الموضوع.

بإمكانك الدخول بواسطة أسم المستخدم أو بريدك الألكتروني

- أو -