هدنة عيد الأضحى في سوريا.. بين النجاح والفشل!

العالم الاسلامى منذ 5 سنوات و 2 شهور 278
هدنة عيد الأضحى في سوريا.. بين النجاح والفشل!

 
 
 
هدنة عيد الأضحى في سوريا.. بين النجاح والفشل!
 
فشلت مهمة المبعوث العربي الدولي في سوريا، كوفي عنان، من قبل لسبب بسيط جدًّا وهو: أنَّ نظام بشار الأسد تلاعب به وتظاهر بالتعاون معه وهو يستبطن إفشاله؛ فالنظام السوري يريد شيئًا واحدًا هو ألَّا تؤثر أية مهمة دولية أو عربية على سيطرته التامة على الأمور، وألَّا تُغَلَّ يده عن استخدام آلة القتل العسكرية ضد الثورة الشعبية وتكويناتها.
 

وفشل "كوفي عنان" أيضًا لأنَّه أقام تصوُّره على أساس خاطئ، وهو: أنَّ ما يحدث في سوريا ليس ثورة شعبية وإنَّما أعمال عنف ضد النظام الحاكم، كما بنى خُطَّته على أساس أنَّ إيران عاملُ حَلٍّ وليست عاملَ إعاقة في الأزمة السورية، مع أنَّ منطق الأشياء يقول إنَّ إيران سببًا رئيسًا في الأزمة؛ إذ لولا دعمُها الكبير لانهار نظام بشار من شهور طويلة.

وقد استفاد "الأخضر الإبراهيمي" بالتأكيد من أخطاء كوفي عنان، لكنَّ الإبراهيمي لم يطرح- حتى الآن- خُطَّة واضحة ومتكاملة، ولم يحدد تصوُّره الذي سوف تترتب عليه تفاصيل خُطته وتحركه.

وقد دعا مؤخرًا "الأخضر الإبراهيمي" إلى هدنة خلال عُطلة عيد الأضحى المبارك؛ حتى إذا نجحت يمكن البناء عليها مستقبلًا، والدعوة لهدنة أطول تكون بداية لحوار حقيقي بين أطراف الأزمة، لكنَّ ما حدث هو أنَّ الاشتباكات العنيفة بين الجيش النظامي ومقاتلي المعارضة استمرت، مما دعا الجامعة العربية أنْ تعلن- على لسان أحمد بن حلي، نائب الأمين العام للجامعة- أنَّ "الأمل ضعيف" في تطبيق هذه الهدنة؛ لأنَّ المؤشرات الموجودة على الساحة ورد فعل الحكومة، حتى إعلاميًّا، والأجواء كلها لا تشير إلى وجود رغبة حقيقية بالتجاوب مع هذه المبادرة.

ورغم هذه الأجواء غير المبشرة فإنَّ مسئول عمليات حفظ السلام في الأمم المتحدة "هيرفيه لادسو" يتحدث عن أنَّ المنظمة الدولية تعد خططًا لقوة حفظ السلام في سوريا في حال إذا ما توقف إطلاق النار بشكل دائم في هذا البلد، إذا ما وافق مجلس الأمن على نشر قوة دولية في سوريا.

الأخضر الإبراهيمي نجح في إقناع الرئيس السوري بمبادرة هدنة عيد الأضحى؛ لكن  بشار وضع شروطًا كالعادة، حيث اشترط أنَّ أية مبادرة أو عملية سياسية يجب أنْ تقوم في جوهرها على مبدأ وقف الإرهاب، وما يتطلبه ذلك من التزام الدول المتورِّطة في دعم وتسليح وإيواء الإرهابيين في سوريا بوقف القيام بمثل هذه الأعمال.

فبشار- كما هي عادته- يُدخِل الوسيط الدولي في متاهة؛ فهو يريد كما أسلفنا فرض وجهة نظره هو ونظامه القمعي، وهو أنَّ نظامه يتعرض لمؤامرة إرهابية من المعارضة، وليس ثورة شعبية من مختلف طوائف الشعب السوري، ويريد أنْ يعترف العالم أجمع والدول المحيطة بهذا الهراء والكذب، ويكون ذلك هو منطلق الحل؛ أي: إدانة المعارضة وإرغامها على طاعة بشار ونظامه، وإجبار السوريين جميعًا على وقف ثورتهم التاريخية!.

والأمر الذي دفع الأخضر الإبراهيمي إلى مطالبة جميع الأطراف بأنْ تتطوع من نفسها "بقرار منفرد"، وليس بمبادرة متوافَق عليها، وإنَّما "هدنة الراغبين" لإيقاف القتال طوال أيام العيد، وهذه الهدنة تبدأ متى يريد كل طرف، معتبرًا أنَّ دعوته موجَّهة إلى كلِّ سوري سواء كان بالشارع أو القرية أو قوات الأسد والثوار.

هذا الواقع لا يشكل فشلًا للإبراهيمي في إقرار الهدنة فقط، وإنَّما يعتبر فشلًا للمهمة كلها من أساسها؛ فالإبراهيمي واجه ديكتاتورًا قاتلًا يتهاوى حكمه ولايزال يطرح شروطًا، ليس على الثوار السوريين فقط بل على العالم كله، بدلًا من أنْ يخشى العالم بمنظماته الدولية وإمكانية القبض عليه وتسليمه للمحكمة الجنائية الدولية!.

المشكلة ليست في الإبراهيمي، ولكنَّ الجامعة العربية فشلت قبل ذلك مع النظام السوري، وفشلت مهمة المراقبين العرب لأنَّ نظام بشار "ضَحِك على الجميع" واستمر في القتل، وفي نفس الوقت يتظاهر- شكلًا- بالاستجابة للمبادرات السلمية، ثُمَّ فشلت مهمة كوفي عنان بعد ذلك لنفس الأسباب.

وحتى وزير الخارجية التركي أقر بنفسه بأنَّ سوريا قد تجاوزت الحل اليمني، أي أنَّ وزير خارجية تركيا قد سحب حديثه السابق عن إمكانية أنْ يكون "فاروق الشرع" بديلًا للأسد.

ومن جانبه، يؤكِّد العقيد "قاسم سعد الدين"، رئيس المجلس العسكري المعارض في محافظة حمص، أنَّ هذه الهدنة مجرد فُقَّاعَة إعلامية، متسائلًا: من ذا الذي سينفذها ويشرف عليها؟، إنَّ المعارضين لايزالون ملتزمين بأي قرار للأمم المتحدة ولكنْ ما هي آلية تنفيذ هذه الهدنة؟ وقد التزم المعارضون بتنفيذ آخر اتفاق لوقف إطلاق النار في سوريا في 12 أبريل/ نيسان الماضي، والذي تَمَّ بوساطة من المبعوث الدولي السابق كوفي عنان، ولكنَّ بشار الأسد لم يلتزم به.

لكنْ يبدو أنَّ هذه ليست هي الرؤية النهائية للمعارضة؛ فهناك قادة آخرون يقولون: لن تحدث هدنة، ولن نقبلها؛ فإنَّها ليست في مصلحتنا، كما أنَّ الهدنة لمدة ثلاثة أيام لن تحقق شيئًا يذكر.

ونتيجة للدعم الكبير الذي يحصل عليه النظام السوري من إيران وروسيا فإنَّ "المجرم" بشار يستغل ذلك لنشر رياح الطائفية في لبنان بعد العملية الإرهابية التي استهدفت العقل الأمني لبيروت "وسام الحسن". وتشير أصابع اتهام كثيرة إلى النظام السوري في تنفيذ هذه الجريمة، خاصة وأنَّه يحترف مثل هذه العمليات القذرة.

ولا يمكن أنْ نعتبر التحركات الإيرانية الأخيرة في شرق السعودية بمعزل عن تخطيط النظام السوري بالتعاون مع إيران، وكذلك لا يمكن فصلها عما كشف عنه الأردن من عملية إرهابية ضخمة، بالإضافة إلى الأجواء المأزومة في البحرين.

وخلاصة القول: إنَّ على العالَمِ أنْ يربط بين هذه الأمور المتفرقة، وألَّا يبرئ منها النظام السوري؛ لأنَّ هذا النظام يتجرأ يومًا بعد يوم حينما يجد نفسه في مأمن من الحساب والمساءلة وإنزال العقوبة؛ فهو يرى أنَّه طالما يقتل مئات السوريين يوميًّا بالدبابات والطائرات والصواريخ والأسلحة الثقيلة، ثُمَّ يحظى بدعم سياسي وعسكري واقتصادي كامل من إيران وروسيا، ويأمن العقوبات الدولية- فمعنى ذلك أنَّ الأضواء خضراء أمامه ليفعل ما يريد، وهذا خطر ما بعده خطر على المنطقة والعالم.

التردد الدولي والانتهازية كانا واضحين خلال المناظرة الثالثة والأخيرة بين الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" ومنافسه الجمهوري على الرئاسة الأمريكية "ميت رومني"؛ فقد اتفقا على مبدأ دعم المعارضة السورية بشكل يضمن أنْ تحل محل النظام السوري قوى معتدلة تكون صديقة للولايات المتحدة وتضمن أمن إسرائيل.

وقال أوباما: إنَّه لا يمكن ببساطة تزويد المعارضة السورية بالأسلحة الثقيلة لمساعدتها في إسقاط حكم الرئيس السوري بشار الأسد.

وكان الرئيس الأمريكي واضحًا حينما قال: إنَّ كل شيء تفعله الولايات المتحدة في سوريا هو بالتشاور مع شركائها في المنطقة، بما فيهم إسرائيل التي لها- لأسباب مفهومة- اهتمام هائل بما يحدث في سوريا.

أمَّا ميت رومني فقد اشترط "التيقن من أنَّ الأسلحة لن تقع في الأيدي الخطأ التي يمكن أنْ تستخدم للإضرار بالولايات المتحدة في نهاية الأمر؛ فيجب أنْ نسلح التمرد لكننا نريد التأكُّد من أنَّ لنا عَلاقة جيدة مع الأشخاص الذين سيحلون محل الأسد؛ كي نرى سوريا في السنوات القادمة كصديق وطرف مسئول في الشرق الأوسط".

هكذا- إذن- تفكر الولايات المتحدة والغرب جميعه، وهو ما يفسر ضعف تسليح المعارضة؛ فالقوم لا يريدون تزويد الجميع بالسلاح، ولكنهم يريدون التركيز على طرفٍ يتم الاتفاق معه مقدمًا أنْ يكون بديلًا مأمونًا لنظام بشار، وألَّا يزعج الغرب وإسرائيل، وأنْ ينفذ الأوامر والأجندة الأمريكية بكل سلاسة وبكل طاعة.

 

التعليقات (0)

كن أول من يعلق على هذا الموضوع.

بإمكانك الدخول بواسطة أسم المستخدم أو بريدك الألكتروني

- أو -