رمضان تحت الحصار في غزة

رمضان منذ 7 سنوات و 0 شهور 203
رمضان تحت الحصار في غزة

للمرة الثالثة يمر شهر رمضان على اهل قطاع غزة، وهم يعيشون تحت حصار خانق، وتحت وطأة انقسام عميق لا يزال ينخر الجسم الفلسطيني، بكل دقائقه وتفاصيل حياته، واحلامه الكبيرة والصغيرة.
ومع تكرار مرور الشهر الكريم، يتضاءل الاهتمام الخارجي وحتى الداخلي بأمر الحصار وأسبابه، وتداعياته، حتى أصبح وكأنه جزء من قدر الفلسطيني، وجزء من كيانيته وهويته وحياته.
خلال رمضان الاول بعد الانقسام، وما بعده، لم نكن قادرين على متابعة التصريحات، والتقارير، والبرامج التي تتحدث عن كارثة انسانية وشيكة في قطاع غزة، وبعضها كان يقرر بأن الكارثة واقعة فعلياً حتى اصبح هم الجميع، كيفية تأمين الطعام والدواء ولو بالحد الأدنى لسكانه.
هكذا أراد الكثيرون، ان تبدو قضية غزة، حصارها، وانقسامها وحاضرها ومستقبلها مجرد قضية انسانية، تمهيداً للتعامل مع القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني على أساس انساني. وحتى حين حاولوا انسنة القضية الفلسطينية، لم يكن يعني المجتمع الدولي، التدخل كما تفعل الولايات المتحدة وحلفاؤها في كثير من الأحيان التي تفرض حروباً، وعقوبات، واجراءات تحت عنوان التدخل الانساني، الذي أصبح ذريعة لتبرير الكثير من التدخلات والحروب.
كل ما في الأمر بالنسبة لهؤلاء، هو كيفية تحويل مليون ونصف المليون انسان إلى شعب "كوبنه". والحقيقة انهم نجحوا في ان يحولوا جزءاً ليس قليلاً من شعبا في قطاع غزة إلى متسولين حضاريين يبحثون أو ينتظرون سلة غذائية، أو منحة نقدية بسيطة، ظرفية وغير ثابتة.
ويزداد الطين بلة، ولم يعد الحديث عن مستوى دخل الفرد، أو معدلات البطالة والفقر والفقر المدقع، الاّ في بعض المناسبات، فالمعانيات تجاوزت هذه الظاهرة، واتسعت لتشمل عناوين أخرى كثيرة لا تنحصر في الفقر وآثاره، أو في بقاء حالة الدمار الكبير التي خلفتها الحرب الاسرائيلية على حالها منذ بداية العام.
تغلب الفلسطيني على حصار الخبز، وتدفقت البضائع بكل أنواعها عبر مئات الانفاق التي أُقيمت تحت الحدود بين قطاع غزة ومصر، كل ما يخطر ببال، يمكن احضاره عبر الانفاق، بما في ذلك الثلاجات والغسالات، واجهزة التكييف، ومولدات الكهرباء بكل احجامها وانواعها، والوقود، والاجهزة الكهربائية والمنزلية، والالكترونيات.
اسواق قطاع غزة مليئة بكل أشكال وأنواع البضائع، القليل منها تراجعت اسعاره، نظراً لكثرة العرض وقلة الطلب، واغلبها مفتوحة على اسعار يحددها التاجر الذي لا يشبع ولا يقنع.
في رمضان الكريم، يظهر مدى جشع التجار، وقدرتهم على الابتزاز، وتحقيق الربح، فهذا شهر الفرص، والاغتناء.
اسعار الخضراوات تضاعفت منذ بداية الشهر، عما كانت عليه قبله، وكذلك الفواكه، واسعار الدجاج، وانواع المشروبات الغازية، والمكسرات، لا جواب منطقياً على اسباب هذا الارتفاع في شهر رمضان الكريم، الذي ينبغي خلاله ان يتراحم الناس، وان يتكافلوا، ويساعد بعضهم بعضاً.
أحد باعة عجينة القطايف، التي وصل سعر الكيلو منها حوالي دولارين وكان في العام الماضي دولاراً واحداً، احد هؤلاء يقول انه خلال شهر رمضان، يجني من الارباح ما يكفيه مصروف العام بطوله ولو سألنا باعة الحلويات، وانواع المشروبات والاطعمة الرمضانية سيقولون الشيء ذاته.
ارتفاع اسعار المواد الغذائية بشكل جنوني فوق ارتفاعها أصلاً، يضاعف من وطأة الصيام في أيام آب اللهاب، حيث تصل فترة الصيام إلى أكثر من أربع عشرة ساعة في اليوم، ربما كان الفقير الذي لا يملك ثمن هذه المواد لا وهي رخيصة وبالطبع ولا وهي مرتفعة، ربما كان هؤلاء أكثر راحة ممن يملكون ما يكفي نفقاتهم خلال الاشهر العادية، لكن ما يملكون لا يكفي نصف نفقاتهم خلال شهر رمضان.
كيف يفعل هؤلاء، مع تزامن الشهر الكريم مع بداية العام الدراسي ونفقاته، وفي انتظار ايام العيد، التي تستوجب تكلفة اضافية. واذا كان البعض سيقول لنا "ليس بالخبز وحده يحيا الانسان"، فسنقول له نعم، ولكن ماذا لدى سكان قطاع غزة غير الخبز، بالأمس كنت مع احد الوزراء السابقين، وهو ايضاً عضو مجلس تشريعي سابق، كانت شكواه مرة، فمنذ اربعة اعوام، لم ينجح في الاجتماع بعائلته التي تتوزع بين غزة والضفة ومصر، ولا لمرة واحدة، ولم يتمكن من حضور زواج بعض بناته، ولن يتمكن من حضور حفل زفاف ابنه البكر الذي سيتم بعد العيد.
وفي هذا الرمضان صَعدّت اسرائيل اعتداءاتها على قطاع غزة، وبدون اي سبب مباشر، والارجح ان يكون ذلك من باب ممارسة الضغط على حماس، ارتباطاً بموضوع الجندي المخطوف شاليت، اسرائىل تفعل ذلك ضد الصيادين في البحر والمزارعين، والمدنيين في المناطق الحدودية، وتقصف الانفاق، رغم الالتزام الصارم من قبل حركة حماس في القطاع بالتهدئة الواقعية غير المتفق عليها.
ولكن ثمة فارقاً آخر بين رمضان هذا العام، ورضمان في العامين السابقين. قبل رمضان هذا العام كان الناس يتأملون في ان يهدي الله القيادات السياسية، نحو الاتفاق على انهاء الانقسام الذي يشكل سبباً وذريعة، لما يعانونه من آلام الجسد والروح، لكن في هذه المرة، فقدوا الأمل، وفقدوا الثقة، ولم يعد امامهم سوى ان ينتظروا الفرج من فاعل خير.

التعليقات (0)

كن أول من يعلق على هذا الموضوع.

بإمكانك الدخول بواسطة أسم المستخدم أو بريدك الألكتروني

- أو -